04 September 2018 - 18:25
رمز الخبر: 445415
پ
سماحة المرجع المدرسي:
أصدر المرجع المدرسي رسالة بمناسبة شهر محرم الحرام، وصف يها عاشوراء بانها قران يتحدى وسنة ناطقة.
المرجع المدرسي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

أولاً: العرب وصدمة الرسالة

كانت العرب في قاع الجاهلية العمياء، وجاءَت الرسالة لتسمو بهم إلى أعلى درجات الكمال، وهكذا كانت صدمةً عارمة؛ فكيف واجهتها العرب؟

أ: القليل منهم حلَّق بالرسالة عالياً حتى بلغ الذروة بإذن الله تعالى؛ فكانوا هم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، وحتى وصفهم النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بأنّهم: “حُلَمَاءُ، عُلَمَاءُ، كَادُوا مِنَ الْفِقْهِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاء“[1]، ووصفهم سابقهم وإمامهم علي بن أبي طالب عليه السلام بقوله: “رُهْبَانُ اللَّيْلِ، وأُسُودُ النَّهَارِ، وصَائِمُونَ النَّهَارَ، وقَائِمُونَ اللَّيْلَ‏”[2].

ب: ومنهم من أسلم لله وللرسالة برجاء أن يدخل الإيمان في قلبه، وهكذا تدرَّج في استيعاب معاني الرسالة حتى باشر الإيمان قلبه، وقد قال عنهم ربهم سبحانه: (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ولَمَّا يَدْخُلِ الْإيمانُ في‏ قُلُوبِكُمْ)[3].

ج: ولكن الفئة الثالثة والخطيرة هي التي أظهرت الإيمان وأبطنت الكفر، وقال لهم الله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاق‏)[4].

ولأنَّ البشر لا يزال في تعاطيه لصدمة الرسالة يعاني ذات المعاناة التي واجهتها العرب فإنَّ تلك الفئات الثلاث لا تزال موجودة في المجتمعات ولكن بنسب مختلفة.

إنما أعظم الخطر إنما هو في أنَّ النفاق أصبح، مع الزمن، ثقافةً ترسَّخت في أفئدة الناس، وتسلَّحت بالمزيد من الأعاذير التي إنتشرت عبر أمثلة تبريرية، وعبر تفسيرات وتأويلات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان.

وقد أصبحت مواسم عاشوراء، عبر تاريخنا المديد، صدمةً رساليّة جديدة، أيقظت النفوس السادرة في غياهب الغفلة بل في كهوف النفاق، وفضحت تلك الموجات المتلاحقة من أعاذير النفاق، وتبريرات الكسل.

وهكذا؛ كان الخطباء يركزون على تلك المنعطفات التاريخية التي مرت بها سيرة سيد الشهداء، عليه السلام، وكيف أنه قال لوالي الأمويين في المدينة: “وَيَزِيدُ رَجُلٌ فَاسِقٌ، شَارِبُ الْخَمْرِ، قَاتِلُ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ، مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، ومِثْلِي لَا يُبَايِعُ مِثْلَه‏”[5].

وكيف أنه حين خرج من مكة قال: “خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، ومَا أَوْلَهَنِي إِلَى أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُف‏”[6].

وكيف أنه قال: “هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ“[7].

وكيف أن الحر بن يزيد الرياحي، ذلك القائد الكبير في معسكر الأمويين، حين رأى نفسه بين الجنة والنار، قال: “وَاللَّهِ إِنِّي أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الْجَنَّةِ والنَّارِ، فَوَ اللَّهِ مَا أَخْتَارُ عَلَى الْجَنَّةِ شَيْئاً ولَوْ قُطِّعْتُ وحُرِقْتُ“[8]، وخاض غمار الموت حتى نال أعظم درجات الشهادة.

وهكذا كان مثلاً للقادة الأحرار بينما تسافل الآخر واختار مُلْك الري، وما نال إلّا خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وأضحى أمثولة الخزي، بلى إنه كان عمر بن سعد الذي قال:

          أَ أَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ وَالرَّيُّ مُنْيَتِي             أَمْ ارْجِعُ مَذْمُوماً بِقَتْلِ حُسَيْنِ‏

           فَفِي قَتْلِهِ النَّارُ الَّتِي لَيْسَ دُونَهَا             حِجَابٌ وَمُلْكُ الرَّيِّ قُرَّةُ عَيْنِي[9]

إنَّ الخطاب الحسيني يوجِّه الأمة، وباستمرار، إلى ضرورة التعالي مع الرسالة، وألّا يسقطوا في مهاوي النفاق، ومن هنا فإنه يختار أمثلةً من واقع كلِّ مجتمع، وبالذات في المجتمع الذي يعايشه ويعالجه؛ لكي لا يبقى التاريخ مجرد تسلية؛ بل يتحوَّل إلى ثورةٍ على الذات وإنبعاثةٍ كبرى في الحياة.

ثانياً: سُحُب التبرير كيف تتقشَّع في عاشوراء؟

النفاق لم يعد حالةً شخصية؛ بل أمسى ثقافةً مليئةً بالمغالطات والأعاذير والتبريرات، تدعو إلى الإنهزامية والسلبية، وإلى ما دعا إليه أهل الكوفة، حيث تراهم رفعوا شعار: (مالنا والدخول بين السلاطين) الذي إنتهى بهم إلى عظيم الخسارة في الدنيا والآخرة.

ولكن؛ كيف نستطيع أن نحارب، عبر عاشوراء، هذه الثقافة التي لا تزال مسؤولة عن هزائم الأمة؟

ألف: ببيان مدى تطابق نهضة السبط الشهيد، عليه السلام، وبصائر الوحي.

أوَ لم يكن الإمام الحسين، عليه السلام، هو الذي قال عنه الرسول، صلى الله عليه وآله: “حُسَيْنٌ مِنِّي وأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْناً“[10]، وقال: “الْحَسَنُ والْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا“[11]، وهكذا كان القرآن الناطق، وكلُّ حركةٍ قام بها وكلُّ كلمةٍ فاه بها وكلُّ موقفٍ اتخذه كان – كما حروف كتاب الله سبحانه – عين الحقيقة.

ولو استطاع المتحدث عن عاشوراء – خطيباً كان، أو شاعراً، أو رادوداً (ناعياً) – أن يستشهد في سرده لسيرة الإمام، عليه السلام، بآية كريمة من كتاب الله المجيد، من آيات الجهاد والشهادة، إلى آيات الصبر والإستقامة، وحتى آيات الخُلُق العظيم الذي تجلّى في واقعة الطف، بلى لو استشهد بتلك الآيات وغيرها لكان حديثه أبلغ وأغنى وأقدر على تسفيه ثقافة التبرير؛ بإذن الله تعالى.

باء: وبيان أبعاد التشابه بين ظروف نهضة السبط الشهيد وما نعايشه من ظروفٍ إختلفت فيها الأسماء وبقي الجوهر واحداً، ومن ثَمَّ بيان واجبنا الذي قد يكون مجرد نسخة باهتة لتلك الظروف؛ ولكنه – بالتالي – واحد من حيث المضمون. بلى؛ ثورة السبط الشهيد ضد الطغيان والشرك والظلم كان المثل الأعلى لكلِّ ثورة، وهكذا لا يجوز لأحدٍ أن يتهرَّب من مسؤوليته إذا تذكَّر آفاق تلك الثورة وعظمتها.

فأيُّ شخصٍ يُقاس بسيد الشهداء؟!

وأيُّ دمٍ يمكن أن يشابه ذلك الدم الزكيّ الذي إريق في سبيل الله؟!

وأيُّ نساءٍ أعظم حرمةً من آل بيت الرسول، صلى الله عليه وآله؟!

وأيُّ واقعةٍ أعظم من تلك الواقعة التي سُفِك فيها دماء خيرة أهل الأرض جميعاً من أجل الله؟!

وبالتالي؛ هل بقي لأحدٍ عذر في التنصُّل عن مسؤوليته؟!

إنَّ كلمة كلِّ مسلم موالٍ، والتي يتعلمها كل جيل من سلفه:

“يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْن‏”

“هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّة”

“يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً”.

إنَّ هذه الكلمات والشعارات التي ترددها شفاه مئات الملايين كل يوم، وبالذات أيام ذكرى عاشوراء، إنها ثقافة التحدي التي تنسف أسس ثقافة التبرير، إنها كما أشعة الشمس التي تخرق سحب النفاق.

ثالثاً: كيف تُشحذ عزائمُ الأمة؟

بفعل الظروف المعاكسة، وبسبب تواتر المآسي وربما الهزائم في حياة الأمة إبتلاءً من عند الرب سبحانه لعباده، وهكذا بسبب الخنّاسين الذين ينفثون في عقائد الناس وساوسهم؛ فإن الأمة بحاجة إلى شحذ العزائم لمواصلة درب التضحيات، ولإستمرار مسيرة الدرب الشائكة، ونهضة السبط الشهيد، عليه السلام، تبدِّد غيوم اليأس، وسحب التردُّد، ونفثات الشياطين من الجِنَّة والناس أجمعين.

وهكذا كانت أيام عاشوراء من أعظم مواسم الخير والبركة؛ حيث ينفخ الرب في رُوْعِ عباده الصالحين روح الإيمان، وعزائم الجهاد. من هنا نقول عند زيارة سيدنا وإمامنا أبي عبد الله الحسين، عليه السلام:

“أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ ولَمْ تَمُتْ، بَلْ بِرَجَاءِ حَيَاتِكَ حَيِيَتْ قُلُوبُ شِيعَتِكَ، وبِضِيَاءِ نُورِكَ اهْتَدَى الطَّالِبُونَ إِلَيْكَ”[12].

وعلينا، ونحن نعيد ذكريات تلك الملحمة الكبرى، أن نذكّر الناس – وببالغ الصراحة – أنَّ عليهم أن يستوحوا بأكبر قدرٍ ممكن من عبرها، ويستلهموا روحها، ويشحذوا أفئدتهم بعزائمها.

لقد كان الإمام الحسين، عليه السلام، قمّة القمم وذروة الذُّرى، وكل قمّةٍ مِن حولها أعظم مِن كثيرٍ مما نعرفه من القمم العالية في الجهاد والفداء.

1- زينب الرفض والتحدي

لقد كانت زينب، عليها السلام، في مسيرة الملحمة الكبرى، رمزاً نسائياً، وحجةً على كل إمرأة، بل وعلى كل رجل، في رفض الظلم وتحدّي الهزيمة والإستطالة ضد الطغاة، وعلينا أن ندرسها بكل إجلال، ونستعرض بطولاتها لتكون درساً لكل مجاهد؛ بل لكلِّ إنسانٍ سويّ. ألَا ترى كيف تقرع طاغيةَ الشام يزيد بكلماتها حين تقول:

“وَلَئِنْ جَرَّتْ عَلَيَّ الدَّوَاهِي مُخَاطَبَتَكَ، إِنِّي لَأَسْتَصْغِرُ قَدْرَكَ، وأَسْتَعْظِمُ تَقْرِيعَكَ، وأَسْتَكْثِرُ تَوْبِيخَك‏”[13].

إنها زينب، عليهاالسلام، رمز بطولةٍ نادرةٍ تجلَّت في أمها الزهراء فاطمة بنت محمد، صلى الله عليه وآله، حيث ألقت الخطبة الفدكية العصماء في مسجد أبيها وبيَّنَت فيها أصول الدين وأحكامه بما فيها من حكمةٍ بالغة، وختمت حديثها بالدفاع عن خط الولاية وعن حقها، وكانت فاطمة وفاطمةً لا نظير لها أبداً.

2- سيّد الوفاء والإباء

أما سيّد الوفاء وأبو كلِّ فضلٍ وإباء، العباس، عليه الاسلام، صاحب السقاء؛ فإنه علّم البشرية معاني الكرامة والشموخ، وقيم التسليم للحق والدفاع عنه بكل بسالة، وعلّمهم أسس الطاعة لوليِّ الأمر وبصائر اليقين. ألَا تسمعه حين يقول وهو يخوض أشرس معركةٍ وتتقطَّع أعضاؤه ويستقبل جسده مئات الأسهم والنصول، ولكنه يقول:

وَاللَّهِ إِنْ قَطَـعْـتُمُ يَـمِينِي             إِنِّي أُحَامِي أَبَداً عَنْ دِينِي‏

وَعَنْ إِمَامٍ صَادِقِ الْيَقِينِ             نَجْلِ النَّبِيِّ الطَّاهِرِ الْأَمِينِ‏[14]

لقد ألهمت سيرةُ صاحب لواء سيّد الشهداء في كربلاء الملايين من البشر، حلاوة الفداء لله وللحق وللإمام المطاع، وأصبح رمزاً للإباء والوفاء والبطولة.

3- رمز الإيمان بالقيادة الربانية

أمّا نجلُ سيّدِ الشهداء عليٌّ الأكبر، عليه السلام، الذي كان أشبه الناس برسول الله، صلى الله عليه وآله، خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً؛ فإنه أقتحم غمار الموت بإيمانٍ ثابتٍ بالله وبالقيادة الربانية، وهكذا برفضٍ تامٍ للطاغوت، حيث قال:

أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِي             نَحْنُ وبَيْتِ اللَّهِ أَوْلَى بِالنَّبِي‏

تَاللَّهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِي             أَضْرِبُ بِالسَّيْفِ أُحَامِي عَنْ أَبِي‏

ضَرْبَ غُلَامٍ هَاشِمِيٍّ قُرَشِي[15]

4- الموت أحلى من العسل

وكانت كلمةُ القاسمِ إبن الإمام الحسن الزكيّ، عليهما الاسلام، درساً عظيماً لكل مؤمنٍ، حيث سأله عمه الإمام الحسين، عليه السلام، قائلاً: “يَا ابْنَ أَخِي، كَيْفَ الْمَوْتُ عِنْدَكَ”؟

قَالَ: “يَا عَمِّ أَحْلَى مِنَ الْعَسَل”[16].

وحين يوصي أصحاب الإمام الحسين، عليه السلام، بعضهم بعضاً بنصر سيد الشهداء عند آخر رمقٍ لهم في الحياة؛ فإنهم أثبتوا بذلك كيف أنَّ المؤمن يستطيع أن يحلِّق عالياً في سماء العرفان، إلى حيث يجعل الدين فوق كلِّ ما في الحياة حتى الأهل والأولاد.

وهذا هو ذلك المعنى الرفيع الذي نقوله جميعاً عند ما نقف عند ضريح إمامنا أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، ونقول: “بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ،[17] لَا يَوْمَ كَيَوْمِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ“[18]، كلمات قالها الأئمة المعصومون من أهل بيت رسول الله، عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولكن السؤال العريض: هذه المصيبة الكبرى التي إنتهت بسفك دماء أعظم عباد الله بأبشع صورةٍ ممكنة، هل انتصر فيها الحق، أم انتصر الطغاة؟

5- والعاقبة للمتقين

إنَّ الحقائق بعواقبها، وإنَّ العاقبة للمتقين ولعباد الله الصالحين. ألم تقرأ قصص القرآن عن الرسل كيف انتهت إلى إنتصار الحق، ومحق الباطل؟

وهكذا بعد أن استُشهِد الإمام الحسين، عليه السلام، وبث في الأمة روح الجهاد ضد الطغاة، فإذا بالإنتفاضات والثورات تندلع هنا وهناك لتزلزل عروش الطغاة، ولا تزال تلك الروح تلاحق الفاسدين، وتجعل الأمة تستطيل على محاولات الترقيع وتقاوم المحتلين والمعتدين، وتجعل الشهادة في سبيل الله أمنيّة شائقة لفئةٍ عظيمةٍ من المؤمنين.

6- باب التوبة

وفي الآخرة فتح الله سبحانه بالحسين الشهيد أبواب الجنة للتائبين الذين يدخلون سرادقات عزاء سيد الشهداء ولا يخرجون منها إلّا ونفوسهم قد صفت لله ولانت بعد قسوتها بالمعاصي، وتابوا إلى ربهم توبةً نصوحاً؛ وذلك لأنهم، حينما استمعوا إلى مصائب السبط المظلوم دمعت أعينهم، وخشعت قلوبهم، وقويت عزائمهم، وكان مثلهم مثل الذي يريد أن يعلو على هضبة صغيرة فتخور إرادته، ولكنه يرى بشراً مثله يتحدون الجبال الرواسي، ويتسلَّقون القمم العالية، فإذا به يتسلَّح بالعزم ولا يلوي على شيء حتى يحقق هدفه.

7- مصباح الهدى

وهكذا كان الإمام الحسين، عليه السلام، كما وصفه جده المصطفى رسول الرحمة، صلى الله عليه وآله، حيث قال عنه:

“وَإِنَّهُ لَمَكْتُوبٌ عَنْ يَمِينِ عَرْشِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل:‏ مِصْبَاحُ هُدًى وسَفِينَةُ نَجَاةٍ”[19].

وأيُّ مصباحٍ أعظم نوراً وأيُّ سفينةٍ أسرع وأوسع ممن يهدي الله سبحانه به كل عامٍ عشرات الملايين من البشر؟

وستبقى رايةُ إمام الهدى وبابِ الرحمة وسيّدِ شبابِ أهلِ الجنَّة خفّاقةً في العالمين حتى يأتي إبنه المهدي المنتظر، عجل الله فرجه الشريف، ويقف عند مرقده الشريف وينادي بصوتٍ رباني يسمعه العالم: “ألَا يَا أَهْلَ الْعَالَمْ! إِنَّ جَدّيَ الْحُسَيْن قَتَلوُهُ عَطْشَانا”[20].‏

وبتلك الراية المنصورة سوف يأخذ بثارات جده وينتصر للعدل والحق، ويمحق به الله سبحانه الباطل محقاً، ونحن – حتى ذلك اليوم الموعود – ننتظر فرجه الشريف بالمزيد من الجهاد في سبيل الله ولتحقيق مبادئ العدل في الأرض؛ والله المستعان.

رابعاً: توصيات لمن يريد الذكرى
إلى الناس جميعاً:

إنَّ إحياء ذكرى عاشوراء من أعظم الأعمال مثوبةً في الدنيا والآخرة؛ لأنَّ إحياء هذه المناسبة بمثابة إحياء الأرض بغيث السماء، وفيها إحياء لبصائر الوحي وأحكام الدين وسنن الأخلاق، وإحياء لسيرة النبي المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد بكربلا، وسائر أئمة الهدى عليهم، صلوات الله جميعاً.

ألَا ترى كيف يتوسع الخطباء في المنابر الى ذكريات الطاهرين، عليهم السلام، أيام عاشوراء.

وعلى الناس أن يبتكروا أساليب جديدة، بالإضافة إلى كل الشعائر السابقة، ويجعلوا منها وسيلة التقرب إلى الله سبحانه لينالوا رحمته الواسعة.

إلى أصحاب الهيئات:

عليكم – أيها الأعزة – أن تجعلوا من خدماتكم وسيلة الزلفى إلى الله سبحانه، بإخلاص النية وإتقان وسيلة العمل، وبالتعاون مع بعضكم بلا أيّة حميّة أو حسّاسيّة.

إلى الشعراء والمداحين:

عليكم أن تبتغوا بكل بيتٍ تنشدوه لإحياء الذكرى بيتاً في جنان الخلد عند ربٍ رؤوفٍ سبحانه، وأن تراعوا دقة المضمون تاريخياً وقيمياً مع أروع صور إثارة الأحاسيس الجيّاشة.

إلى الخطباء الكرام:

عليكم – أيها الكرام – أن تستمعوا إلى الناس لتعرفوا حاجاتهم العقائدية والأخلاقية؛ فتردوا شبهات أبالسة الأرض، وأن تستعدوا للخطاب بكل وسيلةٍ ممكنة، من التدبر في آياتٍ جديدة، بالإضافة إلى الآيات التي تدبرتم فيها سابقاً، وليكن كلُّ خطابٍ فيه الجديد من بصائر الوحي.

وهكذا الإهتمام بالنصوص الشرعية، وبالذات كلمات السبط الشهيد وزياراته، وما قال الأئمة الطاهرون، عليهم السلام، عنه وعن أهل بيته وأصحابه.

وعليكم أن تتعرفوا على واقعِ مَن تتحدثون لهم، ونقاط ضعفهم الذي لابد أن يُجبر في هذه المحافل المباركة.

وهكذا الكلمة التي تصدر من القلب بإخلاص النية، ومع الدعاء أن يجعل الله فيها التأثير، إنها كلمة تدخل في القلب بإذن الله؛ والله المستعان.

محمد تقي المدرسي

26 ذو القعدة الحرام 1439هـ

[1]– الكافي: ج3، ص 126.

[2]– أعلام الدين في صفات المؤمنين: ص 117.

[3]– سورة الحجرات: الآية 14.

[4]– سورة التوبة: الآية 101.

[5]– اللهوف على قتلى الطفوف: ص 23.

[6]– مثير الأحزان: ص 41.

[7]– المصدر: ص 51.

[8]– إعلام الورى بأعلام الهدى: ص 242.

[9]– مناقب آل أبي طالب، ج4، ص98.

[10]– كامل الزيارات: ص 52.

[11]– علل الشرائع: ج1، ص 211.

[12]– البلد الأمين والدرع الحصين: ص 284

[13]– اللهوف على قتلى الطفوف: ص 184.

[14]– مناقب آل أبي طالب: ج4، ص 108.

[15]– الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2، ص 106.

[16]– الهداية الكبرى: ص 204.

[17]– مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: ج2، ص 721.

[18]– الآمالي: ص 116.

[19]– بحار الأنوار: ج91، ص 184

[20]– إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب: ج2، ص 233.

(۹۸۶/ع۹۴۰)

ارسال تعليق
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.