15 July 2010 - 16:19
رمز الخبر: 2484
پ
رسا / تقاریر ــ نوّه عضو الهیئة العلمیة لمکتب الإعلام الإسلامی بالأوضاع غیر المرضیة لتعلیم الفقه السیاسی وبخاصة فی الحوزات العلمیة وقال : إن التقید بالرقابة الذاتیة أو التسلیم للمشهورات الفقهیة والسیاسیة یعد جداراً أمام تطور الفقه السیاسی .
الندوة الثانیة لأعمال قسم الفقه السیاسی فی مکتب الإعلام الإسلامی التابع لخراسان الرضویة
فی تقریر لوکالة رسل للأنباء بمدینة مشهد : انعقدت مع ذکرى رحلة مؤسس الثورة الإسلامیة ثانی ندوة لمناقشة أعمال قسم الفقه السیاسی لحلقة أفق العلمیة بالتنسیق مع قسم الاجتماعات والمؤتمرات فی معهد نواب العالی یوم الثانی والعشرین من جمادى الثانیة سنة 1430هـ وفی مکتب الاعلام لإسلامی بمحافظة خراسان الرضویة .
الامین العام لهذه الندوة التی أقیمت لمناقشة موضوع الهندسة المعرفیة للفقه السیاسی قال فی افتتاحیتها : الهدف من إقامة هذه الندوات هو تعرّف الأسالیب الحدیثة التی یمکن أن تطرح فی مجال الفقه السیاسی .
وأکد أننا نتابع أن یطرح الفقه السیاسی بغیر الأطر التقلیدیة وقال : بعد مرور ثلاثة وثلاثین عاماً على انتصار الثورة الإسلامیة ینبغی أن تدرس مباحث ولایة الفقیه فی باب مستقل مع الاحتفاظ بضروریاتها الخاصة .
السید عباس صالحی عضو الهیئة العلمیة لمکتب الإعلام الإسلامی تطرق إلى بحث الهندسة المعرفیة للفقه السیاسی ، وقال فی مواصلة هذه الندوة : لقد قام الإمام الخمینی ( قدس سره) بثورة واسعة شاملة فی جمیع المجالات الحضاریة والدینیة والفقهیة .
وأردف قائلا : یعد بحث هذه الندوة مدخلا للفقه السیاسی ، فللورود فی هذا المجال یجب التزود من ضیاء صورة ، الصورة التی تعکس هنا بالطبع صورة سریعة ولعلها تتحول بنفسها إلى موضوعات مستقلة وتنشئ إطاراً لدراسات أعمق ، لأن الخوض فی أی مجال وخصوصاً فی العلم یحتاج إلى فهم أدق عن الموضوع محل البحث ، وهذا الفهم یفضی إلى تطور العلم وتجنبه الضیاع .
مقولات من هذا القبیل یکون الفقه فیها مضافاً أحیاناً تعتبر فی الحقیقة نوعاً من التطور العلمی ، وبناء على ذلک وقبل کل شیء یجب أن یتشکل تصور دقیق لدینا فی أننا عن أی شیء نبحث ؟ وهل الفقه السیاسی مجرد مصطلح أطلق فی العقود الأخیرة أم شجرة علمیة ؟ وإذا کان کذلک فما هو موقفنا حیاله ؟ وهل ماقیل هو نفس مانراه الیوم أم شیء مختلف ؟

نبذة تاریخیة
أول خطوة على طریق التطور العلمی هی معرفة تاریخ وأصول المسألة ، ویمکن ملاحظة فرع من البحث السیاسی فی (إحصاء العلوم) للفارابی ، حیث قسم العلوم إلى سبعة أقسام : علوم اللسان وعلوم المنطق والعلوم المتعالیة والطبیعیات والعلوم المدنیة و ...
وقسم العلم المدنی إلى قسمین : الحمکة والفقه ، وکل واحد منهما إلى نظری وعملی ، والفقه العملی قریب من بحوث الفقه السیاسی .
ولأبواب الفقه لدى الشیعة تقسیمات متعددة ، وهی أمر مهم جداً فی التنظیم المنهجی للفقه .
أحد التقسیمات التی نراها فی الکتب الفقهیة تقسیم الفیض الکاشانی فی ( مفاتیح الشرایع) ، حیث بحث الفقه فی قسمین أصلیین تحت عنوان : فن العبادات والسیاسات وفن العادات والمعاملات ، ضم الفصل الأول ستة کتب : الزکاة والصلاة والحج والصیام والحسبة والحدود ، وبناء علیه نرى خطوطاً تشکل فصلا من فصول الفقه السیاسی فی آثار الفقه الشیعی .
وللشهید الصدر فی (الفتوى الواضحة) التی تعد تحولا جذریاً فی کتابة الرسائل العملیة تقسیم فقهی یقترب من الفقه السیاسی ، وهذا التقسیم هو : العبادات ، والأموال ، والسلوک الخاص (النکاح والطلاق) ، والسلوک العام (الفقه السیاسی وسلوک الحکومة والحدود والجهاد و ....) ، وعلى الرغم من أنه لم یستخدم تعبیر الفقه السیاسی ولکنه لایعنی عدم إشارته إلیه .
إلى جانب هذین العلمین هناک من طرح کلمة السیاسة على أنها جزء من الفقه ، آیة الله الشهید مطهری فی کتابه (آشنائی باعلوم اسلامی) ــ تعریف بالعلوم الإسلامیة ــ نقل عن بعض أن الفقه ینقسم إلى عبادات ومعاملات وسیاسات وأحکام .
تلک آثار کلیة عن الفقه السیاسی فی أدبیاتنا الفقهیة .
أما لدى أهل السنة وبخاصة فی المرحلة الأخیرة فقد طرح الفقه السیاسی بالاسم نفسه ، وفی مرحلة متقدمة بغیر اسمه ، فنرى فی مؤلفات متقدمیهم تعبیر (الأحکام السلطانیة) أو (السیاسة الشرعیة)، ودوّنوها على أنه فقههم السیاسی .
وإلى جانب هذه الآراء عرضت فی التقسیمات الحدیثة لأهل السنة تقسیمات فقهیة خصصت طبقة کعنوان نظام موضوعی بالفقه السیاسی ، من هذا القبیل ما انتهجه صبحی المخمصانی فی فلسفة التقنین الإسلامی حیث قسم الفقه إلى ثلاثة أقسام : العبادات والأخلاق والأحکام القانویة ، وهو تقسیم یسترعی الانتباه .
وعملنا فی هذا المجال یتصف بأنه قلیل جداً على خلاف سعته العالیة فی الفقه الاخلاقی ، فتوقف تکاملنا بعد الشیخ الانصاری ، وبقینا جالسین على سفرته من دون القیام بتطور یجلب النظر .
الاحکام القانونیة هی علاقات المواطن بالمجتمع ، والمخمصانی افتتح ستة فصول فی هذا القسم : الفقه الجزائی ، وفقه الأسرة ، والفقه القضائی , السیرــ الجهاد والامن ، والعلاقات الدولیة ــ والاحکام السلطانیة .
الشیخ شلتوت قسّـم الفقه إلى ستة أقسام أیضاً : العبادات ونظام الأسرة والمواریث والاموال والمبادلات والعقوبات والمسؤولیة المدنیة والجنائیة والأمة فی الإسلام ، ضم العنوان الأخیر : الدولة وقوانین الحرب والسلم ومعاهدات الدولة وغیرها .
تقسیم آخر من تقسیات أهل السنة هو ماتبناه عبد الوهاب خلاف ، فقسم أولا الفقه إلى قسمین : عبادات و معاملات ، ثم العبادات إلى سبعة أقسام شاهدنا فیها هو القسمان الأخیران منها : الأحکام الدستوریة والأحکام الدولیة .
قبل هذا التقسیم رحمة الله الزهیری فی (مقدمة الفقه الإسلامی) ولکنه لم یف به فی مقام العمل .
مصطفى زرقاع فی کتاب (المدخل الفقهی العام) جاء بآخر تقسیم ضم خمسة أمور : العبادات ، والأحوال الشخصیة ، والمعاملات ، والأحکام المتعلقة بالسلطان الحاکم على الناس ، الجزاء (السیر) أو القوانین الدولیة .
هذا العرض التأصیلی للمسألة یعکس إجمالا أننا لانواجه نقطة الصفر فی هذا البحث ، ولعله بحاجة إلى تطور أساسی وطفرة تکمیلیة .

تعریفه
بعد هذا العرض لأصول المفردات سندخل تعریف الفقه السیاسی . برزت تعاریف متعددة له ، ولم نستطع حتى الآن أن نقدم تعریفاً منسجماً ، ولذلک لانعدم التخبط ذات الیمین وذات الشمال حینما نهم بالخوض فیه .
التطور العلمی فرع من الانسجام المفهومی فی المفاهیم ، ولذلک قال بعض : إن الفقه السیاسی هو الأحکام الشرعیة المخصصة بالحیاة السیاسیة الاجتماعیة . وهو تعریف بعید لعدم التشخیص الدقیق لحدود مفهوم الحیاة السیاسیة والاجتماعیة .
وقال بعض آخر : إن الفقه السیاسی یضم بحوثاً کالجهاد والأمر بالمعروف والحسبة والإمامة والقضاء وغیرها مما یطلق علیه : الأحکام السلطانیة . هذا التعریف مثال ، وهو لیس جامعاً مانعاً لأن العلوم لایمکن تعریفها به .
وذهبت ثلة إلى أن الفقه السیاسی : هو فهم الشؤون الداخلیة والخارجیة للأمة الإسلامیة وإدارة الأمور وفقاً لأحکام الشریعة . وهنا لم توضح الشؤون الداخلیة والخارجیة ویکتنفها غموض معنوی ومصداقی .
وجماعة قالت بأن الفقه السیاسی یتصدى لتنظیم العلاقات بین المواطنین مع بعضهم ومع الدولة ، ولتنظیم علاقات الدولة مع سائر الدول . وهذا التعریف یضم القسم الأعظم من المعاملات حتى الأحوال الشخصیة إلى الفقه السیاسی .
وهذا بالضبط مایمنع التطور فی العلم إذ إننا إلى الآن لم نتمکن من تعیین نطاق وحدود علمنا فی هذه التعاریف ، ولم نتوصل إلى ضبط علمی له . ووضع العلوم إنما یتم حینما یبرز هذا الضبط العلمی ، أی نعلم أن هذه المسألة تتعلق بأی علم .
وللاقتراب من تعریف الفقه السیاسی ینبغی أن ننظر من زاویة نشخص بها الموضوعات التی یمکن أن تدخل فی مجاله ، وبعبارة أخرى : إلى أی حدود یمتد نطاقه ؟
یمکن النظر إلى الفقه السیاسی وفقاً للحد الأقل والحد المتوسط والحد الأکثر . کما إن للفقه السیاسی قسماً مسلماً به وهو نظریة الحکومة ، ویمکن بحثه من ثلاث زوایا ، أولها : المبانی والأصول ، وهی تشق طریقها إلى بحوث المشروعیة ، فهل الحکومة انتخاب ام انتصاب ، وماهی شروط الحاکم و... الزاویة الثانیة : شکل وهیکل الحکومة ، الثالثة : علاقة الحکومة بالمواطنین ومؤسسات الدولة مع بعضها .
کل واحد من هذه الفروع الثلاثة یبحث فی علوم أخرى ، مثلا تبحث الأصول فی علم الکلام والفلسفة السیاسیة ، والفرق بین هذا الفرع فی الفقه وعلم الکلام والفلسفة فرق منهجی ، إی إنه یبحث فی مجال علم الکلام السیاسی بحثاً عقلیاً نقلیاً ، ویبحث فی مجال الفلسفة السیاسیة عقلیاً ، وفی الفقه السیاسی بمنهج فقهی .
وبحث نظریة الحکومة هو القدر المتیقن للفقه سیاسی وإن کان مشترکاً فی الموضوع مع علم الکلام والفقه والفلسفة والقوانین السیاسیة .
والفرع الثانی والثالث یرتبطان أیضاً بعلم القانون .
نظریة الحکومة فی الإسلام بمنهج فقهی تختلف اختلافاً کاملا عن منهجها فی علم الکلام والفلسفة والقانون ، ولکنها هی القدر المتیقن من البحوث .
وخطوة إلى الأمام أبعد عن القدر المتیقن ــ نظریة الحکومة بمنهج فقهی وهو الرأی وفقاً للحد الأقل ــ هی السیاسة الخارجیة التی جاءت بعنوان الفقه الدولی أو الأحکام الدولیة أو کتاب السیر فی تقسیمات أهل السنة .
السیاسة الخارجیة قسم متوسط تقریباً فی الفقه السیاسی ، ولنا أن نستنتج من الفقه السیاسی أن هذا القسم یمکن فصله عن القسم الأول أی نظریة الحکومة ، کما یمکن أخذ السیاسة الخارجیة بنظر الاعتبار وهی تشمل القوانین الدولیة الخاصة والعامة ، وفی هذه الصورة تکون السیاسة الخارجیة فقهاً سیاسیاً من الحد المتوسط ، وإذا أضفنا السیاسة الداخلیة یکون فقهاً سیاسیاً من الحد الأکثر ، والسؤال الذی یطرح نفسه هنا : إلى أی حد تمکن الإضافة ؟
لایمکن الانحیاز کثیراً إلى رأی الحد الأکثر ، لأنه ضد تطور الفقه ، فإذا أردنا أن ندخل الفقه ــ القضائی لتعلقه بإدارة المجتمع ــ فی الفقه السیاسی فهذا نفسه یستلزم تضخم الفقه السیاسی بنحو لایمکن السیطرة علیه .
إحدى النظریات الأخرى أن نضم قسماً من المسائل المتعلقة بصلاحیات الحکومة إلى مجال الإدارة الداخلیة للفقه السیاسی .
وبناءً على ذلک ستجعل هذه الاحتمالات الثلاثة سعة الفقه السیاسی مختلفة ، وإذا اختلفت السعة سیختلف التعریف بطبیعة الحال .
فاستناداً إلى هذه السعة نستطیع أن نعرف الفقه السیاسی بتعریفات ثلاثة ، الأول : إنه عبارة عن الأحکام الشرعیة المتصدیة لأصول نظام الحکم فی الإسلام ، وهو التعریف وفقاً للحد الأقل . الثانی : هو أن نضیف السیاسة الخارجیة إلیه . الثالث : أن نضیف شؤون واختیارات الحکومة فی الإدارة الداخلیة للبلد .
هذه التعریفات الثلاثة تزید من سعة الفقه السیاسی ، وترسم لنا صورة عن نوع البحث فیه .

العلوم المتعلقة بالفقه السیاسی
المسألة الثالثة التی یجیب أن تبحث فی هذا الموضوع هی العلوم المتعلقة بالفقه السیاسی بعلاقات نما وأثمر من خلالها .
تقسم العلوم والمعارف المرتبط بأی علم إلى خارجیة وداخلیة . وإذا أخذنا الفقه السیاسی فی التعریف وفقأ للحد الأقل سترتبط به ثلاثة علوم : الفلسفة وعلم الکلام والقانون ، ولایمکن التغاضی عن معطیاتها .
فیجب أن نحظى بإدراک صحیح للمفاهیم السیاسیة ، وتدریج جید لهیکل مفرداتها الشائعة ، لأن الفقه السیاسی یجب أن ینظر فی مفاهیم الفلسفة والکلام السیاسیین ، فکما یؤثر علم الکلام فی نظام الاستنباط عندنا ــ أی إذا وصلنا إلى الأدلة العقلیة القطعیة ــ فسیؤثر فی الاستنباطات الفقهیة , ومن الطبیعی أن ما نصل إلیه من مفاهیم فی الفلسفة السیاسیة إذا کانت قطعیة فستؤثر فی طبیعة رأینا فی الفقه السیاسی . ومن هنا لایمکن التغافل فی مجال الفقه السیاسی عن الفلسفة والکلام السیاسیین .
بعد ذلک لو دخلنا مجال الفقه السیاسی المتوسط فستجذب انتباهنا بحوث الإمامة فی نطاق الحکومة ، ولها آثار فی الفقه السیاسی . وفی هذه المرحلة ستکتسب القوانین والعلاقات الدولیة أهمیتهما ، وعلى الرغم من أن بینهما عدة مشترکات إلا أن لکل منهما أسالیبه المختلفة .
وفی قسم الفقه وفقاً للحد الأکثر تضاف علوم أخرى لسنا بصدد الحدیث عنها الآن .
وبشکل عام هناک إلى جانب العلوم الخارجیة المتعلقة بالفقه السیاسی علوم داخلیة ذات علاقة بها أیضاً ، أی إن الفقه السیاسی یوجد إلى جانبه علوماً أخرى ، وهذه من ممیزات کل علم ، فخاصیة العلم لاتبقى محفوظة له ، وتنشئ علوماً تحیط به .
وهکذا الحال فی الفقه السیاسی إذ تشکلت منه عدة علوم منها أصول الفقه السیاسی . هذه المسألة فرع لمسألتین تمهیدیتین ، وهو أنه هل هناک علم فقه واحد أم عدة علوم للفقه ؟
فی الأدبیات الشائعة أن لدینا علماً واحداً للفقه ، والتشابهات الکثیرة بعثت على أن یعتبر الجمیع أن الفقه علم واحد ، ولکن هل بلغت تشکیلة منهج عباداتنا حداً کبیراً من عدم التباین بحیث نتجه إلى علمین مستقلین ؟ ینبغی أن لا نخشى من وقوع ما یؤسف له لو تعددت العلوم لدینا ، فأمثلة التعدد العلمی کثیرة فی التاریخ الإنسانی . ومن الطبیعی أنه ینبغی لکل من التعدد والتمرکز العلمیین أن یستند إلى دلیل .
لو کان لدینا أکثر من علم فقه فهنا یجذبنا بحث لأصول الفقه فی الفقه السیاسی ، أی إن ترکیبة بحوث الفقه السیاسی بنحو لایکتفى فیها بأصول الفقه العامة على الرغم من الحاجة إلیه ، فکیف بالموارد المخلة ؟
وإذا کان لدینا علم فقه واحد فی عدة أقسام فهل نحتاج إلى منهج مستقل بجانب المنهج العام أم لا ؟
کتاب أصول الفقه الحکومی الذی یدوّنه قسم البحوث فی مکتب الإعلام الإسلامی یتولى البحث فی هذا المضمار .
العلم الثانی المرتبط بالفقه السیاسی هو التاریخ السیاسی . سبق أن قلنا لمرات عدیدة أننا لم نقم بعمل منهجی فی حقل تاریخ العلوم الإسلامیة ومن ضمنها العلوم النقلیة کالفقه ، فی حین أن تاریخ العلوم یعد مقدمة لتطورها ، ومن البنى التحتیة لتطور أی علم هی المعرفة الدقیقة بمقدمته .
شارک أهل السنة لکثرة عددهم بعناوین مختلفة فی الفقه السیاسی ، ولذلک فالفقه السیاسی المقارن یساهم کثیراً فی تکامل وتعمیق الفقه السیاسی لدى الشیعة ، على أن یکون بنفس أسالیبه بأن لا یظهر التسنن ولا یؤثر فی الشیعة . فالفقه السیاسی المقارن یساعد کثیراً فی نطاق وعمق القضایا المبحوثة .
العلم الرابع من العلوم المرتبط بالفقه السیاسی هو علم اجتماع الفقه السیاسی .

الأسالیب
من أی زاویة نرید أن نعالج هذا الموضوع ؟
هناک أسلوب فردی تکلیفی یرى الفقه السیاسی نظیر العبادات والمعاملات ، فیسعى وراء أداء تکلیفه حیاله . هذا الرأی یرکز على الناحیة الفردیة ومسائلها مهمة له . وهکذا أسلوب بعض الاستفتاءات .
أما أسلوبنا فیرکز على المؤسسة ، أی تحویل المؤسسات الاجتماعیة إلى فقهیة ، فکیف ستکون مؤسسة الوزارة أو الحسبة أو غیرهما ؟
وأکثر مایلاحظ فی فقه أهل السنة هو الترکیز على المؤسسة فی الفقه السیاسی .
الأسلوب الثالث الذی یتعرض للغفلة وهو صعب أیضاً ما یرکز على النظام أو ماله نظرة عامة ، فیلاحظ الفقه السیاسی بنحو عام فی هذا الأسلوب .
ینضوی الفقه السیاسی تحت النظام الاجتماعی فی الإسلام ، وعلى هذا الأساس یجب تصویر علاقاته بالنظام الاجتماعی الإسلامی من جهة وعلاقاته الداخلیة مع نفسه من جهة أخرى . وأول ما یواجه النظرة النظامیة للموضوع : ماهو تعریف النظام الاجتماعی الاسلامی وماهی أهدافه وغایاته ؟ وأی من تلک الغایات فوّضت إلى الفقه السیاسی ؟

المنهج
ماذا یمکن أن یکون منهج الفقه السیاسی من ناحیة وسائله وأسالیبه ؟ علینا أن لانکتفی بالقواعد الموجودة وأن نسعى فی تأسیس الجدید منها ، فمثلا یمکننا العمل على قاعدة الکرامة الإسلامیة .
وسنتجاوز هذا البحث لعدم توفر الفرصة الکافیة له .

التطور التاریخی للفقه السیاسی
یعکس التطور التاریخی للفقه السیاسی لدى الشیعة وأهل السنة مسیرته التی قطعها ، وموضعنا منه فی الوقت الحاضر .
تلاحظ ثلاث مراحل لفقه أهل السنة : الأولى إلى نهایة العهد العباسی الأول ، الثانیة من العهد العباسی الثانی إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر ونهایة الخلافة العثمانیة ، الثالثة هی المرحلة الحدیثة المعاصرة . تشاهد فی هذه المراحل الثلاث ثلاثة أنواع من الأدبیات الفقهیة فی مجال الفقه السیاسی لأهل السنة ، کما أن آثار هذه المراحل تدعو للعنایة والاهتمام بها .
وللشیعة أربع مراحل تاریخیة تختلف أدبیات کل منها عن الأخرى . المرحلة الأولى مرحلة انتظار الإمام المهدی (عجل الله فرجه) ، ونظر الشیعة فیها إلى نهایة الظالمین وتهیئة الأجواء لظهور الإمام ، لذلک لم یکن هناک کثیر قلق بشأن الحکم والدولة ، ومعنى الإمامة هو نفس معناها فی علم الکلام لا فی الفقه .
المرحلة الثانیة تبرز فیها مقولات الحد والتقلیل من الظلم والفساد . المرحلة الثالثة من زمن المرحوم النراقی فما بعده ، وتظهر فیها مقولات تشکیل الحکومة ، أی إن تقلیل الظلم بمفرده لایکفی لتشکیل حکومة إسلامیة مشروعة فی عصر الغیبة . المرحلة الرابعة اشتملت على مقولات الفقه الحضاری لاعلى تشکیل الحکومة فقط فی بلد ما ، وهو رأی الإمام الخمینی (قدس سره) ، ورؤیة الفقه الحضاری تختلف کثیراً عن فقه الحکم .

معرفة الوضع القائم للفقه السیاسی
البحث الأخیر هو معرفة الوضع القائم للفقه السیاسی ، أی لو أردنا إیجاد تطور علمی فی هذه المنظومة الهندسیة المعرفیة فیجب أن نرى أین نضع هذا الموضوع ؟
فی تقییمنا للوضع الحالی فیما یتعلق بالمجال التعلیمی أنه لیس وضعاً جیداً ، فبعد ثلاثة عقود من انتصار الثورة الاسلامیة لم تحدث أی خطوة مهمة ، وفقهنا السیاسی اتخذ طریقة محددة ولیس له وضع مرض ٍ .
أما فی مجال الدراسات والبحوث فالوضع أفضل قلیلا ، فلبحث ولایة الفقیه أربع دورات ، وفی نظریة الحکومة کانت لدینا مطالب سابقة من قبل ، ونلاحظ تدوین عدة رسائل عن ولایة الفقیه فی عهد المرحوم الشیخ النراقی ، ومن برکات الشیخ الأنصاری بحثه لولایة الفقیه فی المکاسب الذی أخذ بأیدینا لأن ندخل بحث أدبیاتها الفقهیة عن طریق ما ألف عنه من شروح وتعلیقات . الدورة الرابعة لولایة الفقیه بدأت بالإمام الخمینی (قدس سره) ویلاحظ فیها مؤلفات مثل کتب آیة الله معرفة وآیة الله جوادی آملی .
وفی نظام الحکومة الإسلامیة توجد بعض المؤلفات بصبغة فقهیة ، وعلى کل حال فللشیعة نشاطات فی بحث ولایة الفقیه ونظریة الحکم ، کما تلاحظ إجمالا خطوات على طریق الحکومة فی الإسلام .
إذا أردنا تحلیل وضعنا الفقهی السیاسی فیمکن تلخیص ما یحول دون تطوره على النحو الآتی :
الأول ــ ضعف میراث الفقه السیاسی الشیعی نتیجة لعوامل مختلفة منها : العوامل الحضاریة ، حیث ضعفت بعد الفارابی حتى مسیرة الحکمة العملیة ولم تتقدم الا إنها لم تتکامل بالشکل المطلوب .
الثانی ــ قلة توفر متطلبات الفقه السیاسی ، فباعتبار طبیعة نظام علاقاته وعلمه التخصصی یحتاج إلى باحثین یوقفون جمیع نشاطاتهم علیه ، وإلى انبثاق علوم تخصصیة جانبیة عنه .
الثالث ــ سیطرة المشهورات الفقهیة القدیمة والتسلیم للمشهورات السیاسیة الحدیثة والاذعان لحالة الانجبار بدلا من تقصی الدلیل ، فالمجال العلمی ینبغی أن یتجرد عن الانتماء السیاسی بالمعنى الخاص للسیاسة .
ومما یکون حاجزاً لتطویر الفقه السیاسی أحیاناً هو وظیفة الرقابة الذاتیة أو التسلیم للمشهورات الفقهیة والسیاسیة ، وینبغی أن یکون لدینا منطق فقهی داخلی قوی لکی لا نهزم أمام المنطق الخارجی ، إذ لایراد للفقه السیاسی أن یبقى فی إطار التنظیر ، ولذلک فلن یکون بحث العلوم الجانبیة على قلیل من الأهمیة .
وینبغی لهذه الهندسة الفقهیة أن توفر المستلزمات الأساسیة لتفعیل استراتیجیات الفقه السیاسی .
جدیر بالذکر أن أول ندوة لأعمال قسم الفقه السیاسی عقدت بمدینة مشهد فی جمادى الثانیة ، وتمحورت حول مباحث أصل ولایة الفقیه ، وقد حضرها آیة الله محمد مهدی الموسوی الخلخالی .
وإثر تأکید قائد الثورة الإسلامیة على مبدأ الإبداع والتطور فی العلوم الإنسانیة بدأت الأقسام الفقهیة التخصصیة أعمالها فی سبعة مواضیع : (الفقه والأصول وفلسفة الفقه) و (الفقه الاقتصادی) و (الفقه السیاسی) و( فقه الثقافة والاتصالات) و (فقه القرآن) و (فقه الحدیث) و(فقه القانون) وفی إطار حلقة أفق العلمیة ، وذلک فی العام الماضی وفی مکتب الإعلام الإسلامی بمحافظة خراسان الرضویة .


ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.