01 April 2017 - 17:18
رمز الخبر: 429194
پ
خطبة الجمعة للشيخ علي دعموش:
قال الشيخ علي دعموش نبارك للمسلمين والمؤمنين حلول شهر رجب ودخول أشهر النور وذكرى ولادة الإمامين محمد الباقر وعلي الهادي عليهما السلام في الأول والثاني من هذا الشهر المبارك.
الشيخ دعموش

 الإمام الباقر(ع) هو الإمام الخامس من أئمة أهل البيت(ع)، وقد كانت مرحلته من أشدّ المراحل التي مرّت على العالم الإسلامي آنذاك، وهي مرحلة انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، والتي عاش فيها المسلمون صراعاً عنيفاً انتهى بسقوط العهد الأموي وبداية العهد العباسي.

 

لقد عاش الإمام الباقر(ع) في أواخر الحكم الأمويّ، وكان الأمويون بسبب صراعهم مع العباسيين مشغولين عن مضايقته من أجل الحفاظ على ملكهم، لأن السياسة التي كانت معتمدة من قبل الحكام الظالمين هي التضييق على أهل البيت(ع)، ولذلك سنحت الفرصة للإمام الباقر (ع) ليقوم بنشاط علمي واسع وليغني بما وهبه الله من علم ومعرفة العالم الإسلامي بالعلوم والمعارف الدينية والأخلاقية والعلوم الإنسانية التي ورثها عن آبائه وعن رسول الله(ص) .

وقد اسس الإمام الباقر(ع)، ومعه ولده الإمام جعفر الصّادق(ع)، في تلك الفترة، جامعة علمية فتحت أبوابها لكل المسلمين من مختلف المذاهب والاتجاهات، وتعلم فيها علماء ومفكرون كثيرون من كل الاتجاهات، فكان من تلامذتها أئمة مذاهب كأبو حنيفة ومالك وغيرهما من كبار العلماء .

وأود في هذه المناسبة أن أسلط الضوء على جانب اجتماعي وإنساني من حياة الإمام الباقر(ع) يتصل بخدمته للناس وسعيه لقضاء حوائجهم لا سيما قضاء حوائج الفقراء والمحرومين والمحتاجين ومن لا يستطيع العمل وتحصيل الرزق ولقمة العيش، فقد كان(ع) إضافة الى فضله ومكانته وإمامته وزعامته وعلمه وسعة معارفه كريم النفس معروفاً بالجود والكرم والإحسان والبذل والعطاء ورعاية الفقراء والسعي لرفع الحرمان عن الناس..

فمن مواساته للفقراء والمحتاجين نقرأ ما ذكره المؤرخون في سيرته أنَّه “كان مع ما وصفناه به من الفضل في العلم والسؤدد والرئاسة والإمامة، ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسّط حاله.

وعن أحد أصحابه قال: “شكوتُ إلى أبي جعفر محمد بن عليّ(ع) الحاجة وجفاءَ الإخوان، فقال: “بئس الأخُ أخٌ يرعاك غنيّاً ويقطعك فقيرااً”، ثم أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائة درهم وقال: “ستنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني.

وقد روى محمد بن الحسين قال: “حدّثنا عبد الله بن الزبير، قال: حدّثونا عن عمرو بن دينار وعبد الله بن عُبيد بن عُمير أنَّهما قالا: ما لقينا أبا جعفر محمد بن عليّ(ع) إلا وقد حمل إلينا النفقة والصِّلة والكِسوة، ويقول: هذه مُعَدَّةٌ لكم قبل أن تَلْقَوْني”.

 

وروى أبو نعيم النخعيّ عن معاوية بن هشام عن سليمان بن قرم، قال: كان أبو جعفر محمد بن عليّ(ع) يُجيزُنا بالخمسمائة درهم إلى الستمائة إلى الألف، وكان لا يملُّ من صلة إخوانه وقاصديه ومؤمّليه وراجيه.

وقد وجّه الإمام الباقر(ع)أتباعه وشيعته إلى الإهتمام برعاية البيوت الفقيرة، وباحتضان المحرومين من النّاس من أجل تحصين المجتمع من الإنحراف ومن اللجوء الى السرقة والأساليب الملتوية والمنحرفة، وكان يعتبر أنَّ تكفل الفقراء ورعاية المحتاجين قد تكون أفضل من العبادة المستحبّة، فقد جاء في ما رواه الكليني عنه (ع) أنَّه قال: “لئن أعول أهلَ بيت من المسلمين أسدُّ جوعتهم وأكسو عورتهم وأكفُّ وجوههم عن النّاس، أحبُّ إليَّ من أن أحجَّ حجّة وحجّة وحجّة ومثلها حتى بلغ عشرة، ومثلها ومثلها حتى بلغ السبعين حجّة”(1). فلو دار الأمر بين أن ينفق المسلم ماله في إعالة بيت من بيوت المسلمين الفقراء، وبين أن ينفقه في سبعين حجّة مستحبّة، فإنّ الامام(ع) يرى أنّ صرفه على إعالة هذا البيت الفقير أفضل من سبعين حجّة. وهذا يعني أن الرعاية الاجتماعية للفقراء والمستضعفين ومساعدتهم والوقوف إلى جانبهم، تتفوّق على مستحبّات العبادة.

ويتحدّث الإمام الباقر(ع) عن قضاء حوائج المسلمين بعضهم لبعض، فيقول(ع): أوحى الله إلى موسى(ع) : إنَّ من عبادي مَنْ يتقرّب إليَّ بالحسنة فأحكّمه في الجنّة – يدخل الجنّة ـ قال: وما تلك الحسنة؟ قال: يمشي مع أخيه المؤمن في قضاء حاجته، قُضيت أو لم تُقضَ.

والملاحظ هنا أن مجرد المشي والسعي لقضاء حوائج المؤمن لها تلك الحسنة سواء قضيت أم لم تقضى،  فالمطلوب هو السعي في قضاء حاجة المؤمن،.. فإذا رأيت مؤمنا عنده حاجة، وسعيت لدى أحد لقضائها، لدى مسؤول معين أو لدى نافذ معين أو لدى غني معين فقد قمت بواجبك وقضيت ما عليك ؛ فأنت تسعى، والباقي لست مكلفا به..

وهناك شروط ثلاثة لقضاء الحاجة كما يحب الله تعالى: كتمان قضاء الحاجة، وتصغيرها، وتعجيلها.. كما ورد عن الإمام علي (ع): (لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث: باستصغارها لتعظم، وباستكتامها لتظهر، وبتعجيلها لتهنأ).

فأولا: كتمان قضاء حاجة الغير: حيث المطلوب عندما يقوم الإنسان بقضاء حاجةالناس أن يكتم ذلك وأن لا يتبجح بذلك أو يمنن من أسدى له خدمة، وإلا فإنه تذهب قيمة عمله وقد يذهب أجره!.. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَىْ}..

وثانيا: تصغيرها: تصغير الحاجة أي أن يرى بأن ما قام به إنما هو عمل صغير ومتواضع وعادي وليس أمرا عظيماً ، وهذا إنما هو لكي لا يشعر المحسن بنتفاخ الشخصية فيدفعه ذلك الى أنه قام بعمل عظيم فينطلق ليمنن من أحسن اليه، ولهذا فإن من صفات المؤمن، أنه ينسى إحسانه لغيره، ويتذكر إساءته لغيره.

 

وثالثا: تعجيلها: حيث إن بعض الناس يعد بمساعدة الناس أو بقضاء حاجاتهم ولكنه يماطل ويؤجل ويسوف إلى درجة يجعل الشخص الموعود صاحب الحاجة يحبط ويشعر باليأس وإذا قضيت حاجته ففرحه بقضائها، سيكون أقل بكثير من أذاه بالمماطلة!.. وكما يقال: (اليأس إحدى الراحتين!)..  فالإنسان إما أن يعد، فيفي بالوعد؛ وإما أن يكون صريحا مع أخيه المؤمن، بأنه لا  يمكنه قضاء حاجته، وبذلك لا يجعله يعيش حالة الانتظار.

اليوم مع الأسف التسويف والتأجيل والمماطلة والإخلال بالوعود هي من سمات العمل السياسي في لبنان، ومن خصائص  معظم السياسيين اللبنانيين، كم من الوعود أطلقت في العهود والحكومات السابقة فيما يتعلق بقضايا معيشية وحياتية أساسية ولم يتحقق منها شيئاً؟ وبقضايا اجتماعية وسياسية أيضاً كسلسلة الرتب والرواتب ووضع قانون انتخابي عصري ولم ينفذ منها شيئاً حتى الآن؟ الجميع كان يدعي الموافقة على سلسلة الرتب والرواتب واذا بقدرة قادر يتم تطيير الجلسة وتعطيل اقرار السلسلة.

ما جرى بموضوع سلسلة الرتب والرواتب ، أحبط الناس وجعلهم يعيشون حالة من الخيبة من نتائج النقاشات التي حصلت في المجلس النيابي .

هؤلاء الناس من موظفين ومستخدمين واساتذة ومعلمين كانوا يتوقعون إنصافهم من قبل السياسين وإعطائهم حقوقهم من دون تأجيل وتسويف ومماطلة الا أن ما حصل هو العكس، لأنه قد يكون هناك من لديه ارادة ومصلحة في التعطيل وتتطيير السلسلة .

 

نحن مصرون على إقرار السلسلة من دون فرض ضرائب جديدة تطال ذوي الدخل المحدود، وهناك مصادر وطرق كثيرة ومختلفة يمكن من خلالها تأمين موارد السلسلة وتمويلها بدون زيادة الواحد بالمئة، ولكن السياسيين لا يلتزمون بما يقولون وبما يعدون به، فإذا كان هناك إصرار على هذه الطريقة البائسة والخاطئة في عدم الإيفاء بالوعود والإلتزمات، فهذا يعني أن الطبقة السياسية الموجودة ما زالت تمعن في النيل من كرامة ومشاعر الناس، وهذا لا يصح ولا يمكن أن نقبل به على الإطلاق تحت أي عنوان أو ذريعة.

ونفس الشيء نقوله فيما يتعلق بالقانون الإنتخابي، أين الوعود التي قطعتها الطبقة السياسية بشأن إقرار قانون جديد للانتخابات، وهل سنعود إلى قانون الستين الذي انتج هذه الطبقة السياسية الفاشلة والفاسدة، وهل أن العقول اللبنانية أصبحت عقيمة ولم تعد قادرة على إنتاج قانون انتخابي عصري يراعي صحة وعدالة التمثيل وينصف القوى السياسية التي لعا امتدادات شعبية وتريد أن تصل الى البرلمان ؟

 

الفشل في الإتفاق على قانون للانتخاب حتى الآن ليس بسبب عجز القوى السياسية عن وضع قانون عصري يراعي صحة وعدالة التمثيل، بل بسبب أن البعض يريد قانوناً على قياسه والحفاظ على كل امتيازاته.

كل الصيغ التي طُرحت حتى الآن سقطت لأنها لم تبنَ على معايير صحيحة وعادلة، بل كانت مفصلة على قياس الطوائف والقوى والزعامات السياسية التي تريد الحفاظ على حجمها غير الواقعي وغير الحقيقي.

حزب الله إنما يصر على قانون يعتمد النسبية لأن المطلوب هو إنتاج نواب حقيقيين ولديهم تمثيل شعبي حقيقي، والنسبية سواء في الدائرة الواحدة أو في الدوائر الموسعة، تنصف كل القوى السياسية في البلد وتنتج تمثيلاً شعبياً حقيقياً، وبالرغم من التعقيدات القائمة فإن النسبية الكاملة لها فرصة خصوصاً مع إقتناع بعض القوى السياسية الوازنة بها، وبدء الحديث عنها من قبل البعض الآخر ممن كان يرفض النسبية، وهذا القبول المبدئي بالنسبية يمكن أن يشكل قاعدة نقاش وحوار ونحن جاهزون لنقاش أي صيغة من صيغ النسبية التي تنصف سائر القوى السياسية في البلد. والحمدلله رب العالمين.(۹۸۶۳/ع۹۴۰)

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.