03 December 2015 - 22:20
رمز الخبر: 11862
پ
آیة الله عیسى قاسم:
رسا ـ أصدر آیة الله عیسى قاسم رسالة بمناسبة أربعین الإمام الحسین (علیه السلام) وبین فیها سر جمال الإمام الحسین(علیه السلام) والذی یجذب الناس إلیه بعد مضی قرون من استشهاده.
عيسى قاسم

 

رسا ـ تطرق آیة الله عیسى قاسم خلال رسالته التی کتبها بمناسبة أربعینیة الإمام إلى سر جمال الإمام الحسین (علیه السلام)، مؤکدا أن " لیس من سرّ وراءه إلّا المعرفة بالله عزّ وجل والدؤوب والإخلاص والذوبان فی طاعته وعبادته والمجاهدة على طریقه، والتضحیة فی سبیله، والصدق فی الولایة له، ولأولیائه".


وبین أنه " إذا عرفت من الحسین (علیه السلام) کل هذا الجمال وعرفت سرَّ ما کان له منه من نصیب یجعله من صفِّ الأتمِّ کمالاً فی الدّنیا کلّها من بنی الإنسان حقّ علیها أن تطلب الغنى بجمال من ذلک الجمال".


نص هذه الرسالة کما یلی:


بسم الله الرَّحمان الرَّحیم
الحمد لله أکمل الحمد وأتمّه وأدومه، وصلّى الله على خاتم أنبیائه ورسله محمد وآله الطّاهرین.


رسالة من أربعین الإمام الحسین سبط رسول الله )صلّى الله علیه وآله( لنا جمیعاً من مؤمنین ومؤمنات. رسالة من وحی الذکرى، ووحی أجواء کربلاء التی تعجّ هذه الأیام بملایین الزائرین من عشّاق الحسین )علیه السلام).


رسالة نستوحیها من یوم الشهادة الخالد، ومن یوم الأربعین لهذه الشهادة المبارکة، من کل قطرة دم زاکٍ تعطّرت أرض الطف منها بأریج دم الإمام الشهید، واحتضنتها مدرسة حیّة لا تموت لتربیة الأجیال، وتوجیه حیاة الأمة ومواجهة عوامل الضعف والانحدار، من وحی آلام الحسین (علیه السلام) وجراحاته، وآلام أهل بیته وأنصاره وتضحیاته وثورته.


رسالة إلى أهل الإیمان ومودة العترة الطّاهرة والشهید المثل فی کربلاء معشوق القلوب المؤمنة المقدّسة للإسلام.


رسالة بمثل هذا الخطاب:


انظروا ما الذی أحببتم فی إمامکم فجعله محل عشقکم الکبیر، ولولاه ما کنتم تحبونه کل هذا الحبّ المعنویّ وتذوبون فیه. ثم خذوا مما أحببتم فیه فجعلکم من حبکم له تبذلون من أجله الحیاة.


خذوا منه لأنّ ما کان فیه سرّ جمال الحسین(علیه السلام)، الجمال الجذّاب، الأخّاذ هو سرّ جمال کل نفس الذی لا سرَّ لجمال نفس غیرَه. فکل جمال لنفس منه، وبمقدار لها من نعمته من نصیب.


وکیف لا تطلب نفس إنسان الجمال، وما هو السِرّ له، والسبب لغناها به، ونفس بلا جمال ولا ضیاء لا سعادة لها ؟


وهل تصدّق أن فی القبح یسود النفس، والظلام یلفّها بیئة ترتاح فی جوّها الأرواح والنفوس، وتنال سعادتها ؟!


لا أرى أنّ أحداً یوافقه عقله إذا کان صاحیاً، ووجدانه إذا کان حیّاً على توهم أن الراحة فی القبح، والسعادة فی قبر الظلام.


إذن فلابدَّ لنفس ترید الراحة، وتعشق السعادة أن تطلب النور والضیاء والجمال ؛ النور الذی تشرق به آفاق داخلها، والضیاء الذی ترى به الحقَّ وتأنس به، والجمال الذی یهنئها أن ترى توفرها علیه.


والسؤال من أین کان للحسین (علیه السلام) ضیاؤه وسناؤه، وما کانت علیه نفسه من جمال وکمال صار یستهوی الملایین من مختلف القرون والأمم ویستقطبها، وتنشدّ فی لهف إلیه، حتّى صار المضحّون من أجله بالحیاة فی تهافت على الوصول إلى مرقده الشریف لیعلنوا ولاءهم له والإنضواء حتى الموت أو الشهادة تحت رایته ؟


دعونا نطرح هذا السؤال حتى نأخذ لأنفسنا بالسرِّ الذی وراء جمال الحسین (علیه السلام) لیکون لأنفسنا من ذلک الجمال مقدار، وبقدره تکون لنا سعادة.


والسرّ هو أنَّ للنفس الإنسانیة کما خلقها الله تبارک من خالق جمالَ فطرة من فیضه وکرمه. وهی فطرة معرفة به لا أنس لنفس ولا ضیاء بدونها، ولا وحشة لها فی جوّها، وفطرة منابتَ للخلق الکریم الوضیء، إذا کان لنفس شعرت بکرامتها وفی ذلک أنس وسعادة لها.


وهذا رصید تتوفر علیه فی الأصل کلُّ نفس، وما فقد فاعلیته فی نفس وما غیّبه عنها إلا سوء تصرف وتغییب له بإرادتها.


وهذا الرصید یمکن أن یخفت ویتوارى حتّى کأن لا وجود له فعلاً فی النفس حیث لا تراه لما قام فیها بسوء إرادتها من حاجز یحجزها عن رؤیته والشعوربالأنس لوجوده لها وإن کانت الفطرة لا تنمحی من النفس فی أعماقها ولا تنسلخ النفس عن وجوده فی وجودها.


تبقى الفطرة فی باطن النفس التی یمنعها خبثها عن الالتفات لها، وکأنها بذلک فی غیبوبة عنها. وتأتی مواقف بالغة الحرج تضیق بها هذه النفس فی هذه الحیاة تجعلها فی حالة من الضعف وفقد الحیلة وکلِّ أسباب النجاة المتطورة والمتصَّورة لها، فتضیق للحظات عابرة على رؤیة نور الفطرة المغمورة فی داخلها، وسماع ندائها فتتوجه بالاستغاثة من الأعماق إلى الله عزَّ وجلّ من ضیقها وخناقها.


وهبةُ الفطرة الجلیلةُ من الله سبحانه لکلِّ إنسان یمکن أن تقوى وتشتدّ، وأن تزداد حضوراً ودفعاً للخیر وفاعلیَّة، کما یمکن أن تغیّب وتطمر، وقد أعطی الإنسان الإرادة التی بها مع فطرته بالأسلوب الذی ینتج هذه الحالة أو تلک عندما أُعطی القدرة الإرادیة على اختیار الطاعة لله ومعصیته، والأخذ فی حیاته بدینه ومفارقته.


وجمال الفطرة یشهد النماء والاتساع والازدهار فی الأخذ بمنهج الله فی هذه الحیاة، ویصاب بالتواری والاختفاء حتى کأن النفس لا تغنى به ولا وجود فیها للسَّبب وراءه من هبة الفطرة ؛ وذلک حین یفارق هذا الإنسانُ منهجَ ربّه فی حیاته فتضل به السبل عن هداه.


التعامل مع الفطرة الهادیة بما یحافظ علیها ویزید فی حضورها ویقوّی فاعلیتها سرّ تمتّع النفس بالجمال واتساعه وتنامیه فیها، وزیادة إشراقه.


والتعامل معها بما یطمس نورها، ویغیّب هداها یجعل النفس تخسر نور الفطرة وجمالها، فلا ترى من داخلها نوراً ولا جمالاً، ویسدّ علیها کل منفذ لما یدخل بالنور والجمال من الخارج من آیة کونیَّة أو من آیات الوحی بیّنة مشرقة، فلا تجد ما تسیر به إلى الله سبحانه على طریق الکمال، ولا یکون لها إلّا الانحدار.


والحسین (علیه السلام) عارف المعرفة بکل من الطریقین وما یترتب على هذا وذاک من نتیجة ؛ فکان کلّ جهاده الطویل فی مساحة الحیاة المکتوبة له ألّا یعطی من حیاته الشریفة لحظة لطریق الهاویة والسقوط… لحظةً تصیب النفس بظلمة وحجاب، ولا یفرّط فی لحظة من لحظات عمره الغالی بأن تذهب سدى من غیر توظیف لها أجودَ توظیف، وأخلصَ توظیف فی طاعة الله.


وبذلک کان للحسین علیه السلام نوره المشِع وجماله الجذَّاب الأخّاذ.


فإذا عرفت نفس ما یجتذبها للحسین (علیه السلام) وهو جماله اللئلاء الذی تغنى به نفسه الکریمة، وینعکس على کلّ سیرته ومواقفه فی مختَلف ظروفِه، وطوال أیام حیاته فتشهد فیه سمو النفس والإباء والغیرة الحمیدة والعزة والشموخ، وتراه جمال کلمة، وجمال خلق، وجمال معاملة، وعمقَ إخلاص للحق، وثبات موقف فی مکابرة الباطل، ومناصرة الحق، ومثلاً کجدّه (صلَّى الله علیه وآله)، وأبیه وأخیه (علیهم السلام) تتعلم منه الجرأة والشجاعة والفداء والتضحیة فی سبیل الله.


وتراه قوة إرادة، ومضاء عزیمة، واستعلاء فی تواضع لله، ورحمة وطهر لسان وقلب وعمل، وسداد رأی، وعمق فکرة، وسَعةَ علمٍ، وصدقَ معرفة، واستقامة لا یعرضها انحراف، ولا یَمسّها میل، وإخلاصاً ووفاء لله، ثمّ للخلق، واحتراماً لإنسانیّة الإنسان وشفقه علیه، وحرصاً على خیره وهداه، وبذلاً فی سبیل إنقاذه ؛ إذا عرفت من الحسین (علیه السلام) کل هذا الجمال وعرفت سرَّ ما کان له منه من نصیب یجعله من صفِّ الأتمِّ کمالاً فی الدّنیا کلّها من بنی الإنسان حقّ علیها أن تطلب الغنى بجمال من ذلک الجمال.


لتکون سعیدة به فی الدّنیا والآخرة مطمئنة راضیة رغم کلّ الصعاب والتحدیات ومشکلات الحیاة، وأن تطلب التوفّر على السرّ وراء هذا الجمال، ولیس من سرّ وراءه إلّا المعرفة بالله عزّ وجل والدؤوب والإخلاص والذوبان فی طاعته وعبادته والمجاهدة على طریقه، والتضحیة فی سبیله، والصدق فی الولایة له، ولأولیائه.


وکلّ شیء مما هو إحیاء شرعاً لذکرى الشهادة الدامیة للإمام الحسین (علیه السلام)، وذکرى الأربعین من یوم الشهادة، وعروج روحه الطاهرة إلى ربه الکریم، وکل الإسلام والتشریعات الإسلامیّة لا یبلغ غایته کما یریدها الإسلام نفسه، والقصد الذی قصده منه إلّا بأن تکون لنا عقلیة من عقلیة الحسین، وهدفٌ من هدفه، وطهرٌ من طهر روحه، ونقاءٌ من نقاء سریرته، وخلق من خلقه، وسیرة من سیرته، وجهاد وتضحیة ووفاء وإخلاص مما کان له.


والطریق إلى هذا هو المجاهدة للنفس وإلزامها بإرداة قویة بخضوعها فیما تحبّ وتکره، وتفعل وتترک بمنهج الدین القویم ؛ الإسلام الذی لا رضى لله ولا قرب منه بدونه.


أصدق اللهم حبّنا لک، ولأهل ولایتک محمد بن عبد الله وأهل بیته الکرام صلّى الله علیه وعلیهم أجمعین.


عیسى أحمد قاسم
19 صفر 1437هـ
الأربعاء 2 دیسمبر 2015
 

ارسال تعليق
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.