19 October 2019 - 13:07
رمز الخبر: 453924
پ
السيد علي فضل الله:
ألقى السيد علي فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين، في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته السياسية:

"عباد الله، عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي بالدعاء الذي دعا به الإمام الحسين عندما تحلق حوله الأعداء في كربلاء من كل جانب يريدون قتله وقتل أصحابه وأهل بيته. اكتفى آنذاك بأن توجه إلى الله سبحانه وتعالى قائلا: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة.. كم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو.. أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمن سواك، ففرجته عني وكشفته، فأنت ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة".

لقد أراد الإمام الحسين بهذا الدعاء أن يظهر طبيعة علاقته بالله، فقد كان يرى الله أنيسه وموضع ثقته وأمله ورجاءه، لهذا لم يهن ولم يضعف، رغم خذلان الناصر. وقد قال عنه أعداؤه وهو في قلب المعركة: "والله، ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه، أربط جأشا، ولا أمضى جنانا، ولا أجرأ مقدما منه. والله، ما رأيت قبله ولا بعده مثله، وإن كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عن يمينه وعن شماله انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب...".

وتابع: "هذا ما نتعلمه من الإمام الحسين وهذا ما نراه فيه، ونحن أحوج ما نكون إلى هذه العلاقة بين المؤمن وربه، لنتحصن بها في مواجهة التحديات، فنكون أكثر قوة وعزما وإرادة، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات".

واضاف: والبداية من لبنان، الذي كان قبل أيام تحت رحمة الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من الأراضي الخضراء. وقد أظهرت الكارثة مدى قصور الدولة وإهمالها وعدم قدرتها على مواجهة ما حدث أو على مجاراة الناس الذين هبوا للمساعدة وإطفاء الحرائق، وأظهروا وحدتهم وتضامنهم وتكافلهم.

واردف فضل الله: "لقد كنا أمام فصل جديد من فصول عجز الدولة، التي بدلا من أن تتحمل المسؤولية، بدأت سلسلة تقاذف المسؤوليات من هذا الفريق على ذاك، إلى المستوى الذي جرى فيه استخدام البعد الطائفي في إطار الصراع الجاري بين مواقع السلطة".

في هذا الوقت، وبعد أن توفرت الظروف لإيقاف الحرائق البيئية في البلد، يصر البعض على إيقاد الحرائق السياسية، من خلال الإبقاء على السجالات في الشارع ومن على المنابر، بدلا من نقلها إلى داخل المؤسسات، التي هي المكان الأنسب لدراسة كل هذه القضايا، انطلاقا من مصلحة البلد، وبعيدا من الشعبوية التي باتت تمثل السلاح الأمضى للقوى السياسية لشد عصب جمهورها، كما هو الأمر في قضية النازحين السوريين أو العلاقة مع سوريا أو غير ذلك من القضايا، ولا سيما أن كل المتساجلين هم شركاء في الحكومة أو المجلس النيابي. إن مسؤولية القوى السياسية أن تكون أمينة على مصالح جمهورها، فلا تحوله إلى قنابل متفجرة في وجه بعضه البعض، لحساب مصالح سياسية أو طائفية أو مذهبية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وتابع: "والأمر نفسه في التعامل مع موازنة العام 2020، ففي الوقت الذي كان اللبنانيون ينتظرون أن تفي الدولة بوعودها، وأن تحمل هذه الموازنة بشائر البدء بمعالجة جادة للأزمات التي يعانونها على المستوى الاقتصادي والمالي، بإجراء إصلاحات جادة في بنية الاقتصاد اللبناني، وإزالة مكامن الفساد والهدر والمحسوبيات والصفقات وفوضى التعيينات التي باتت تثقل كاهل اللبنانيين، فوجئ اللبنانيون بعودة الدولة إلى الأسلوب الذي اعتادت عليه، وهو مد يدها إلى جيوب المواطنين من ذوي الدخل المحدود، من دون أن تأخذ بعين الاعتبار الواقع المزري الذي وصلوا إليه، والتحذيرات من كل الحريصين على استقرار هذا البلد، فكانت القرارات الأخيرة التي أدت إلى أن يشعر اللبنانيون بأن لا خيار لهم إلا النزول إلى الشارع، رغم معرفتهم بتداعيات هذا النزول، ومن يمكن أن يستغله، وحتى أن يفقده صفاء الأهداف التي كان لأجلها".

واضاف: "وحسنا فعلت الدولة عندما تراجعت عن الخطأ وسارعت إلى إلغاء بعض هذه الإجراءات، ولكن هذا لم يعد يكفي لإزالة النقمة الشعبية واستعادة الثقة التي أصبحت مفقودة بالدولة وبكل رموزها. إن على الدولة أن تأخذ بعين الاعتبار ما جرى، بعد أن أصبح واضحا أن هناك أساليب جديدة في تحريك الشارع ليس بالمقدور ضبطها، وأن خطوطا حمراء كانت موجودة تم تجاوزها، وأن اللغة التي كانت تستخدم في تبريد الشارع من خلال إرهابه أو تخويفه لم تعد ذات شأن، وباتت عنده إجراءات شكلية.

وقال فضل الله: "إن على الدولة أن لا تجدد الرهان على أن هذا الشعب يسهل إسكاته بدغدغة مشاعره وأحاسيسه الطائفية أو المذهبية أو بتخويفه من الآخر. لقد أصبح أكثر وعيا وتوحدا، ولم تعد تلك هذه الأساليب ذات جدوى.

ودعا الدولة، ولا سيما من يحرصون على الإصلاحات فيها، ونحن لا نشكك بوجودهم، "إلى القيام بكل الإجراءات التي تعيد إلى اللبنانيين الثقة بهم، وإن كان الأمر لم يعد بسيطا، وأصبح بحاجة إلى عمليات جراحية تستأصل جذور الأزمة. إننا لا نريد أن يدخل البلد في المجهول، لكن الكرة الآن في ملعب الطبقة السياسية بكل عناصرها ومكوناتها. الكل مسؤولون، ولا يجوز لأي مسؤول أن يتهرب من تحمل المسؤولية، والكل لا بد من أن يتعاونوا لإنقاذ البلد من الانهيار. إن الساعات القادمة ينبغي أن تكون حاسمة، والعلاج غير ميؤوس فيه، شرط أن يؤخذ القرار بالخروج من دولة المزرعة إلى دولة يشعر فيها الإنسان بكرامته وعزته، بعيدا عن كل الاعتبارات الأخرى".

وتابع فضل الله: "لقد آن الأوان لاتخاذ الإجراءات الجذرية التي تستهدف مكامن الفساد الكبرى، وخصوصا المؤسسات المالية ومحميات الكثير من المسؤولين، الذين صاروا أثرياء على حساب الدولة والمواطنين، حتى فرغت الخزينة العامة، وإلا فإن الهيكل سوف يسقط على رؤوس الجميع".

وأخيرا، يتوجه المسلمون غدا لزيارة الإمام الحسين كتعبير عملي عن الحب والوفاء لهذا الإمام الذي قدم حياته من أجل أن يوقظ الناس من سباتهم، ويخرجهم من جهلهم ومن صمتهم، إلى فضاء مليء بالعزة والحرية والمواقف الكريمة، ليمتلكوا العزيمة والإرادة التي لا تسمح لأحد أن يستفرد بهم أو أن يستعبدهم أو أن يعطوا إعطاء الأذلاء ويقروا إقرار العبيد.

إننا لا نحتاج إلى التأكيد أن هذه الحشود التي اجتمعت ليست كما يصورها البعض، لحساب مذهب في مواجهة مذهب، أو دين في مواجهة دين، بل هي في مواجهة كل الظالمين والمستكبرين والفاسدين والمستأثرين بأموال الشعوب والمعطلين للقوانين عندما تكون على حساب الكبار. إن هذه الحشود لن يقف صوتها في كربلاء، بل سيمتد إلى كل أرض عطشى، إلى القيم، إلى العدل والحرية والكرامة والإنسانية. ولسنا عن ذلك ببعيدين.

المصدر: وكالة الوطنية

ارسال تعليق
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.