23 November 2009 - 12:23
رمز الخبر: 1187
پ
تحلیل سیاســــی:
رسا/تحلیل سیاسی: بدأت الأبعاد الإقلیمیة فی حرب صعدة بالیمن تستاثر بالاهتمام وخاصة بعد التورط السعودی، ومعه غُیّب سؤال جوهری، ولعل ذلک لم یأت عرضا، وهو لماذا الحرب أصلا؟ وماهی دوافعها الحقیقیة؟ ولماذا تتم مذهبَة الصراعات السیاسیة ولمصلحة من؟ هذه قراءة تحاول أن تقدم بعض الإجابات./ بقلم عبدالرحیم التهامی
حرب صعدة فی الیمن..خلفیات وأبعاد


الذین استمعوا للرئیس الیمنی قبل أیام وهو یرفع النبرة عالیا؛ بأن لا مصالحة ولا مداهنة ولا وقف للحرب إلا بعد نهایة "الشرذمة الباغیة والمتمردة والخائنة فی محافظة صعدة"..، ثم وهو یزعم أن الحرب لم تبدأ سوى منذ یومین، أی منذ ان تورطت السعودیة بشکل رسمی ومعلن فی حرب الیمن..یندهشون من هذا الحماس والاندفاع والتصمیم والاستعداد لدفع الکلفة حتى وإن کانت من دماء الشعب الیمنی، لأن لا أحد لمس منه مثل هذا الحماس وکل هذه الهمّّة على جبهات البناء والتنمیة الاقتصادیة، أو فی میادین تأهیل - الیمن الموحد- سیاسیا واجتماعیا واقتصادیا، وردم الهوة؛ وهی محدودة ونسبیة؛ بین شماله الغارق فی التخلف وجنوبه الأکثر بؤسا وفقرا وإهمالا.
فالتاریخ لن یسجّل له شیئا من هذا، ولن یذکره بانجاز یشرّف فی بلد یعد الأفقر فی شبه الجزیرة العربیة، بل وواحداً من أفقر دول العالم حسب تصنیف الأمم المتحدة..وهو الذی تربع على کرسی السلطة لمدة تزید على ثلاثة عقود وبالضبط منذ ما قبل الوحدة عام 1978م، وبعدها أی منذ 22 مایو/ایار1990 م حینما آلت إلیه رئاسة الجمهوریة الیمنیة وریثة الجمهوریتین العربیة الشمالیة والدیمقراطیة الجنوبیة.
لا یجادل أحد فی أن ازمة الیمن، هی بالأساس أزمة سلطة سیاسیة شاخت وتورمت وظهرت علیها کل أعراض التوحش، لأنه من العجز یتولد المیل للاستبداد.. فأوضاع الیمن ساءت وتفاقمت على کل الصعد، وما الحراک الجنوبی الداعی إلى الانفصال عن الشمال إلا أحد تعبیرات هذا الانسداد السیاسی الذی انتهى إلیه الیمن بعد الوحدة التی تبرم منها الجنوبیون وانتفضوا على ما لحقهم من تهمیش سواء باقصائهم عن دائرة القرار أو بحرمانهم من عوائد الثروة البترولیة الآیلة إلى النضوب، او بفعل التمکین السیاسی لقبیلة الرئیس الیمنیة الشمالیة المسماة "حاشد" على حساب دور ومکانة بقیة القبائل الأخرى فی الشمال کما فی الجنوب.
وإلى جانب الاقتصاد المنهار والذی تفضحه کل التقاریر الدولیة حیث المؤشرات الاقتصادیة تنذر بوضع کارثی، بفعل الفساد الضارب فی کل مفاصل البلاد، یأتی العبث بالدستور الذی ینص مبدئیا على فترتین رئاسیتین بحسب دستور الوحدة المعد فی 1990م ، وذلک بتعدیل مواده حتى یضمن الرئیس بذلک استمرارَه، بل أن التلاعب بالدستور وصل حد التوریث حیث تتم تهیئة الظروف لثوریت أحمد عبدالله صالح نجل الرئیس .

دولة بمثل هذا الافلاس والعجز والعطالة، وضعت نفسها فی مزاد الخدمة الدولیة، فمن جهة فتحت السلطة الیمن امام التمدد الوهابی، وسهلت اختراقه حتى لمناطق صعدة ذات الغالبیة الزیدیة، ومن جهة أخرى تحولت إلى وکیل أمریکی فی الحرب على ما یسمى بالأرهاب، کل ذلک مقابل مساعدات اقتصادیة تؤجل الافلاس التام، وتطلق ید النظام لفرض إرادته على الشعب الیمنی المقهور وتمریر عملیة توریث السلطة من دون اعتراض أمریکی.
فی أواسط 2004 حین قام أعضاء من منتدى الشباب المؤمن، الذی کان قد تأسس سنة 1990 کمنتدى لتدریس العقیدة الزیدیة فی منطقة صعدة، بتنظیم تظاهرات سلمیة ضدّ الإحتلال الأمریکی للعراق، وضد الممارسات الإسرائیلیة الوحشیة بحق الفلسطینیین، تدخلت السلطة بعنف، وقامت بحملة اعتقالات واسعة شملت المئات من مناصری المنتدى، ثم أعلنتها حربا مفتوحة على أبناء المنطقة حشدت لها 30 ألف جندی واستخدمت فیها الطائرات والمدفعیة الثقیلة، وأسفرت معارکها الأولى عن استشهاد الکثیرین منهم رئیس المنتدى حسین بدر الدین الحوثی.
افتتحت الحرب الأولى هذه سیاقا مفصلیا تبلورت معه - من جهة- الأدوار الاقلیمیة الجدیدة للسلطة فی الیمن والمرتبطة بالأجندة الأمریکیة فی موضوع الإرهاب وبمشروعها فی المنطقة، ومن جهة ثانیة؛ تبلورت حرکة "الحوثیین" من مدخل العداء لأمریکا ولوجودها العسکری ولمشروعها فی المنطقة، ونفس العداء لحلیفتها (إسرائیل)، ومن مدخل المطالبة بالحقوق المدنیة والحقوق المذهبیة، ثم ما لبث الحوثیون بأن أضافوا بعدا حیویا لحرکتهم السیاسیة؛ وهو مطالبة السلطة بإنهاء سیاسات التمییز ضدّ المواطنین الیمنیین من أبناء الجنوب، ومنح المحافظات الجنوبیة حقوقاً مساویة فی الإعمار والتنمیة على غرار محافظات الشمال. وهذا المطلب ینسجم مع سابقة انسحاب حسین الحوثی والشیخ عبد الله الرزامی (الرجل الثانی فی الجماعة) من جلسة مجلس النواب الیمنی احتجاجاً على إعلان الحرب ضدّ الجنوب سنة 1994.
لقد کان تشکل جماعة الحوثی، کرد فعل على سلطة مفلسة بالمعاییر السیاسیة، سلطة لا تملک مشروعا وطنیا؛ انحدرت بالیمن الموحَّد إلى مشارف الإفلاس الاقتصادی والسیاسی والاجتماعی، سلطة حوّلت الیمن إلى اداة خدمة لمشروع الآخرین، وقایضت سیادته فی مقابل مساعدات أمریکیة وخلیجیة، سلطة عبثت بالدستور وجیّرت الدولة لمصلحة الحزب والقبیلة، وأوغلت فی الفساد والاستبداد والتسلط، لذلک لم تکن المطالب والحقوق المذهبیة – لجماعة الحوثی - وهی مشروعة فی مطلق الأحوال-، إلا باعتبارها - فی الحوهر- مطلبا إصلاحیا یغیّر من نمط علاقة السلطة بمواطنیها، لتستقر على نصاب الإقرار بالمواطنیة الکاملة وبمتعلقاتها الدستوریة لکل الیمنیین فی صعدة کما فی الجنوب، ولأبناء القبائل جمعیهم.
إن محاولة إضفاء الطابع المذهبی على صراع سیاسی واضح وبیّن فی دوافعه ومنطلقاته، والذی لا منشأ له إلا التدبیر السیاسی الخاطیء والمجحف والتمییزی بحق مکوّن أساسی من مکونات الیمن تاریخا وثقافة وسیاسة، لا یمکن تفسیره إلا باعتباره محاولة للهروب من استحقاقات الإفلاس لنطام سیاسی بکامله، وهو الهروب الذی یتقاطع مع إرادة دولیة فی تفکیک المجتمعات العربیة والإسلامیة على أسس طائفیة ومذهبیة وإعادة صیاغة خرائط المنطقة بما یوفّر ضمانات أکثر لسرقة الثروات والتمکین لـ(إسرائیل) بتحقیق حلمها بأن تکون المحور الاقتصادی والقطب السیاسی فی المنطقة الشرق الأوسط.
فسیاسة المذهبَة هی صناعة أمریکیة صهیونیة بامتیاز، وهی القائمة على تحویر الصراعات السیاسیة إلى اشتباکات مذهبیة؛ فالصراع السیاسی فی لبنان، وهو صراع عن موقع لبنان وهویته السیاسیة وانتمائه ودوره، تحوّل إلى صراع سنی/شیعی، وحرکة الحقوق المدنیة فی السعودیة والتی تطالب بحقوق عادیة للشیعة فی الجزیرة العربیة، یُنطر إلیها على أساس أنها تحرک شیعی ضد النظام العقائدی فی السعودیة، وتُقمع على هذا الأساس، وکذلک الدور الإقلیمی لإیران فی المنطقة والذی یترجم توجهات إیران الثوریة والمبدئیة فی دعم کفاح الشعوب المستضعفة، ویعمل لتعزیز روابط الأخّوة الإسلامیة.. یُنظر إلیه کاختراق شیعی، ویُواجه بلغة غایة فی الاستفزاز وبتحالف عربی إسرائیلی، کل هذا یتم وفق مخطط إعلامی مدروس ومحکم ترعاه غرف سوداء یرأسها خبراء أمریکیون وصهاینة، ویُجنّد لها طابور من علماء الفتنة ومن أشباه المثقفین الذین قایضوا شرفهم بالشیکات والحسابات البنکیة.
وبالعودة الى الدخول العسکری السعودی المباشر على خط المواجهات بالیمن، یلاحظ أنه جاء متزامنا مع بدء توافد الحجاج إلى بیت الله الحرام، وهناک معطى یجب الإلفات إلیه؛ وهو أن السلطات السعودیة اتخذت قرارا فی موسم الحج لهذا العام؛ یمنع الفنادق والإقامات من بث أی قناة إعلامیة فضائیة، باستثناء القنوات السعودیة، وإذا أضفتا لکل هذا درجة التهویل السیاسی والإعلامی وحتى الأمنی من "البراءة" والتی لم تکن تثیر کل هذا الصخب الذی روّع الحجاج وسلب عنهم السکینة، ندرک أن السعودیة تراهن على موسم الحج لخلق حالة من التأیید والتعبئة الواسعة لسیاساتها ضد الشیعة عموما، وفی حربها ضد الحوثیین، والتی لا یمکن ان یفهم قرارها إلا بکونه ترسیما لخیار الحرب ضد الشیعة سواء فی الیمن او فی الداخل، أو بوجه ایران، وهو الخیار الذی لا ینفک عن حرب إعلامیة موازیة، یوفر موسم الحج للسلطات الفرصة بأن تقوم بأکبرعملیة تضلیل إعلامی للمسلمین فی موسم الحج.
وتبقى هذه اللعبة برغم کل ذلک منکشفة ومفضوحة، فالنظام العربی الرسمی فی معظم مکوناته فاقد للمصداقیة، وقد کانت محطتی حرب تموز2006 والحرب على غزة، محطتی النهایة السیاسیة لهذا النظام، وکل هذه الأدوار القذرة التی یقوم بها هذا النظام الآن على المسرح السیاسی الإقلیمی هی أدوار فی الوقت الضائع ، وهی معلومة النسبة والعائد السیاسی والاستراتیجی. وحده فائض القوة الأمنیة والعسکریة لدى هذا النطام الرسمی ما یفسر بقاءه واستمراره، فالشعوب المستضعفة لیست فی وارد أن تدعم آخر البدع لهذا النطام المنتهی الصلاحیة، وتحور عداءها لإیران أو للشیعة، ولیست فی وارد أن تصفق لأمجاد وانتصارات زائفة وجبانة على مجموعة من المستضعفین المقهورین فی منطقة صعدة.
وبناء علیه فلن تکون حرب صعدة، إلا مراکمة للخیبات ولن تقوّی النظام فی الیمن، حتى وإن خرج منتصرا بالمعاییر العسکریة فی الحرب، کما أن النظام السعودی سینکشف سیاسیا أکثر، وستفتضح مؤسسته الدینیة التی بارکت الحرب وحملت الحطب إلى مشارف صعدة الأبیة، لتحرق المدنیین المضطهدین.
سیخسر الذین تورطوا فی حرب الإبادة ضد الیمنیین فی صعدة، وسیخسر أکثر الذین نسجوا لها غطاءً مذهبیا، وسیخسر معهم الذین انهزموا وبارکوا العدوان السعودی من منطلق"نحن مع الوطن"، وسیذهب إلى مزابل التاریخ الذین بددوا أموال الأمة فی صفقات سلاح سفیهة، ثم لیستخدموا هذا السلاح ویجربونه على المستضعفین فی صعدة.

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.