04 August 2009 - 00:05
رمز الخبر: 155
پ
بمناسبة ولادة علی الأکبر ـ علیه السلام ـ<BR>
<BR>

هادی الیاسی

إنّ الأخلاق والصفات الإنسانیة تلعب دوراً کبیراً فی الحیاة الفردیة والاجتماعیة للبشر، فهی سبباً للوصول إلى الکمال ومکارم الأخلاق فی الحیاة الفردیة، کما أنّها سبباً للطمأنینة، والراحة، والأمان فی الحیاة الاجتماعیة، أما التجاوز على السلوک الأخلاقی والتمسک بالأسالیب غیر الأخلاقیة، فهو سبب للفوضى والفتن والصراعات الاجتماعیة، ویؤدی بالنتیجة إلى تفکک المجتمع، وإنّ مسألة کون تقدّم المجتمع مربوط بالأخلاق الاجتماعیة هو مورد تأیید جمیع أصحاب النظر، فکلما جاء الحدیث عن إقامة الحضارة والمدینة الفاضلة، تجدهم یجعلون مکارم الأخلاق والصفات الإنسانیة فی أولویات کلامهم.

لقد مر المجتمع الجاهلی قبل مجیء الإسلام بهذه التجربة، حیث کانت الحروب الهدامة تهلک الرجال، والتقالید الخرافیة تقبر البنات، والظلمات الناشئة من الجهل، تعطل نتائج العقول.

ومع طلوع الإسلام فی أرض الحجاز المظلمة، أشرق نور التوحید برسول الرحمة على جمیع ربوع هذه الأرض.

إنّ الرسول الأکرم (ص) اعتبر إتمام مکارم الأخلاق من أهم أسباب بعثته، فقال: «إنّما بعثت لأتمّم مکارم الأخلاق».1

لاشک إنّ الشخص الذی یرید أن یطوی هذا الطریق الصعب، ویتحلى بجمیع الصفات الحمیدة یحتاج إلى أسوة کاملة، لتکون له نور هدایة فی طی هذا الطریق الطویل، بل إنّ هذا هو السبب الرئیسی الذی یجعل البشریة تبحث عن الأسوة من أجل إظهار صفاتها الباطنیة وسلوکها المتکامل، فإنّ کل شخص یرید أن یحدد أهداف حیاته یقوم بالبحث عن إحدى الشخصیات الناجحة، ویجعلها أسوة له؛ من أجل الوصول إلى قمة أهدافه وأمانیه.

والإسلام أیضاً أوجد الحل لهذه الغریزة الإنسانیة، فقام بتعریف الأسوة المتکاملة من جمیع الجهات.

قال تعالى: (لَقَدْ کانَ لَکُمْ فِی رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ کانَ یَرْجُوا اللَّهَ وَالْیَوْمَ الْآخِرَ وَذَکَرَ اللَّهَ کَثِیراً).2

"الأسوة" تعنی فی الأصل الحالة التی یتلبسها الإنسان لدى إتباعه لآخر، وبتعبیر آخر: هی التأسی والاقتداء، وبناء على هذا فإنّ لها معنى المصدر لا الصفة، ومعنى جملة: لقد کان لکم فی رسول الله أسوة حسنة هو أنّ لکم فی النبی (صلى الله علیه وآله) تأسیاً واقتداءً جیداً، فإنّکم تستطیعون بالاقتداء به وإتباعه أن تصلحوا أمورکم وتسیروا على الصراط المستقیم.3

وبعد رسول الله (ص)؛ أسوة الإسلام، ظهرت نماذج أخرى أیضاً، وعلى سبیل المثال فاطمة الزهراء ـ سلام الله علیها ـ التی تعتبر الأسوة الکاملة للنساء المسلمات، فقد تبلورت جمیع سمات الرسول العملیة والأخلاقیة والعبادیة فی وجودها.

بناء على ذلک، تتمکن نساء المسلمین أن یجعلن فاطمة الزهراء ـ سلام الله علیها ـ أسوة لسلوکهن، ومثلاً أعلى فی حیاتهن.

کذلک کانت للشباب فی المجتمع الإسلامی أسوة کاملة، حیث برزت فی وجود أحد الشباب أخلاق وسلوک ومنطق الرسول، وکان فی شبابه مرآة تعکس جمیع صفات رسول الله ـ صلى الله علیه وآله ـ

لقد کان هذا الشخص شبیهاً للرسول (ص) فی جمیع صفاته من بین أهل بیت الرسالة، وهذا ما یمکن أن ندرکه من خلال کلام الإمام الحسین ـ علیه السلام ـ عن ولده علی الأکبر ـ علیه السلام ـ عندما أرسله إلى ساحة القتال یوم عاشوراء، الذی یعتبر شاهداً على ذلک، قال الإمام الحسین:

«اللَّهُمَّ اشْهَدْ على هؤلاء القوم فَقَدْ بَرَزَ إِلَیْهِمْ غُلَامٌ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِرَسُولِکَ ـ صلی الله علیه وآله ‌ـ وَ کُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى نَبِیِّکَ نَظَرْنَا إِلَیْه‏».4

إنّ هذا الکلام یعکس هذه الحقیقیة، وهی أنّ علی الأکبر ـ علیه السلام ـ مرآة للجمال النبوی، ونموذجاً لکمالات صاحب الرسالة.

فکلما کان أبیه یشتاق لرؤیة جدّه رسول الله ـ صلى الله علیه وآله ـ ینظر إلى نور طلعته البهیة.

فقد کانت آثار العظمة والجلال وأنوار الفضائل تتألق فی محیاه من بدایة شبابه، وکان وجوده مفعم بکرم النبوة، وهو یذکّر بکرم وشرف وعظمة رسول الله ـ صلى الله علیه وآله ـ

ومع أنّ البعض من أهل بیت الرسالة کانوا یشبهون الرسول، وکل منهم یمتلک صفة من صفاته ـ صلى الله علیه وآله ـ إلا أنّ علی الأکبر ـ علیه السلام ـ کان مثلاً أعلى لتلک الروح الأخلاقیة المقدسة.

إنّ کلام سید الشهداء ـ علیه السلام ـ یدل على تحقق وجود مثل هذه القداسة عند ولده، بجمیع فضائلها وکمالاتها.

علاوة على ذلک، إننا نقرأ فی زیارة علی الأکبر ـ علیه السلام ـ الخاصة فی أول رجب:

«...کَمَا مَنَّ عَلَیْکَ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَکَ مِنْ أَهْلِ الْبَیْتِ الَّذِینَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِیراً... ».5

إنّ معنى «أذهب الله عنهم الرجس» هو مقام العصمة، الذی تحقق عند علی الأکبر ـ علیه السلام ـ وإنّ کانت عصمته لم تکن واجبة کعصمة الإمام الذی یعتبر حجة على الخلق. 6

إنّ المسألة التی تلفت الانتباه هی أنّ علی الأکبر ـ علیه السلام ـ لم یصل إلى هذا المقام الرفیع فی عاشوراء، بل إنّ عاشوراء کانت محلاً لظهور جلاله ومقامه الرفیع، فلقد کانت حیاته ـ قیل أنّه عاش ما یقرب من 27 سنة ـ حیاة نبویة، وأحادیثه نبویة، و عبادته نبویة.

فقد کان کنبی مجهول، أظهرته للناس عاشوراء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. بحار الأنوار: ج 16، ص210.

2. الأحزاب/21.

3. تفسیر نمونه (التفسیر الأمثل): ج‏17، ص 243.

4. اللهوف علی قتلی الطفوف: ص 113.

5. بحار الأنوار ، ج 98 ، ص242.

6. مقتل المقرّم، حیاة علی الأکبر علیه السلام: ص 51.

 

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.