09 August 2009 - 14:28
رمز الخبر: 199
پ
التحلیل السیاســـــــــی
لا نشك فی أنّ العدو الصهیونی یعمل على استثمار تشوّش الوضع السیاسی على صعید المنطقة وتداخل اتجاهاته، ویأمل فی أن یستغرق الكل فی أحلام اللحظة «الأوبامیة» المبشِّرة بالانفراج الإقلیمی، لیظفر بعنصر المفاجأة الإستراتیجیة ویوجّه ضربته للمقاومة..
إسرائیل بعد تموز... توقعات فی سلوك المهزوم

                                             بقلم: عبدالرحیم التهامی


وحدهم الذین یعرفون حقیقة الكیان الصهیونی، والأسس التی قام علیها، ولا یزال وجوده مرتَهن إلیها ومتقوِّم ببقائها، یدركون ماذا تعنی هزیمة (إسرائیل) فی حرب تموز قبل ثلاثة سنوات. فالتفوّق الاستراتیجی وقوة الردع، والحروب السریعة والحاسمة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، هی المفاهیم التی نسجت میثولوجیا القوة الصهیونیة، وهی ما تعرّض إلى اهتزاز عنیف؛ جراء الهزیمة؛ سرى منه اهتزاز أعنف إلى منظومة الأمن الوجودی للكیان الصهیونی.

حاول العدو - بعد هزیمته- أن یتماسك، برغم تسلیمه بحتمیة التداعیات العسكریة والسیاسیة؛ وهی لازالت مسترسلة؛ وكان كل هاجسه تحصین المستوى النفسی للإسرائیلیین، وقد استفاد فی ذلك من الخدمة السیكولوجیة التی قدمها بعض العرب فی لبنان وخارجه، والمتمثلة فی السخریة من نصر المقاومة، وبالتندّر على إنجازها التاریخی.

منذ تقریر «فینوغراد» لم یتوقف جیش العدو عن الإعداد للثأر، فلم تتوقف المناورات والتدریبات، وتم العمل على سد الثغرات التی كشفت عنها الحرب، بل وضاعف العدو من مجهوده التجسّسی، حیث فعَّل الكثیر من خلایاه التجسسیّة فی لبنان، وقام ببروفات لاختبار الجهوزیة من خلال عدوانه على قطاع غزة. ولم یكن (المجتمع) الصهیونی المهجوس أمنیا، بعیدا عن جو التعبئة هذه، فحطّ برهانه الانتخابی على الیمین الأكثر تطرفا - بمعاییره هو-  وكانت النتیجة الطبیعیة مجیء حكومة بقیادة نتنیاهو.

حین نرید أن نجری توقّعا بخصوص سلوك العدو، ونتساءل هل تتجّه حكومة نتنیاهو نحو حرب - وشیكة- على لبنان، وتحدیدا على المقاومة و«حزب الله»؟ فالجواب؛ و بناءً على هذا الذی قلناه آنفا، وفی ضوء التصریحات الإسرائیلیة باللجوء إلى الحزم تجاه مزاعم عن خروق «حزب الله» للقرار1701، أو تصریحات وزیر الحرب ایهود باراك الأخیرة؛ والتی یزعم فیها أنّ العیون مفتوحة على تعاظم قوة «حزب الله» المتواصل، وأنه فی حالة «انتهاك التوازن الدقیق» فـ(إسرائیل) ستدرس الخطوات اللاحقة، أوفی ضوء التقاریر الصحفیة الغربیة التی أكثرت هذه الأیام من الحدیث عن امتلاك «حزب الله» لصواریخ مضادة للطیران، أوعن نصبه لمنصّات صواریخ موجَّهة نحو تل أبیب..؛هو أنّ حرب وشیكة.

لكن توقّع حرب وشیكة، قد یصرفه ؛ولو إلى حین؛ مشروع التسویّة الإقلیمیّة التی یعكف علیها الرئیس الأمریكی أوباما، والتی من المفترض أن تشمل المسارین السوری واللبنانی، وقد یتباعد الاحتمال أیضا بالنظر إلى المساومة المطروحة إقلیمیا، والتی تضغط الإدارة الأمریكیة لفرضها، وهی المتمثلة فی تعلیق الاستیطان فی القدس موضِعیا ومرحلیا، فی مقابل خطوات تطبیعیّة مع (إسرائیل)، وقد یندفع الاحتمال بعیدا، لكون التسویة التی تطبخها الإدارة الأمریكیة للمنطقة، تتطلب بالإضافة إلى ثمن إسرائیلی شكلی على الصعید الفلسطینی، التزاما إسرائیلیا بالتهدئة، للمرور من خلالها- أی التسویة المملاة- إلى خیار الصفر فی التعامل مع الملف النووی الإیرانی، وهو ما قد یتزامن مع انصرام المهلة الأمریكیة لإیران للتجاوب مع المطالب الغربیة فی ملفها النووی. وقد یبدو الاحتمال؛ وعلى صعید الاستعداد الإسرائیلی هذه المرة؛غیر راجح، فانكشاف شبكات التجسس الإسرائیلیة فی لبنان فی المدة الأخیرة، أفرغ بنك معلومات العدو من الأهداف الثمینة، لأن المقاومة بادرت إلى معالجة كل اختراق حصل من جراء عمل تلك الشبكات، وبالتالی فسیناریو الحرب السریعة والخاطفة التی خطّط لها العدو وتمرّن علیها، لن تكون ممكنة من دون ذخیرة استخباراتیة.

لكن وبالعودة إلى عدوان غزة وملابساته، فالتحلیل أیضا لم یكن یسمح بتوقّع حرب على القطاع فی التوقیت التی حصل فیه، حیث كان مؤتمر انابولیس قد انعقد، والمرشح الدیمقراطی باراك أوباما قد فاز، والاستعداد للانتخابات الإسرائیلیة جار.. ؛والحدیث هنا عن مجرد التوقیت لیس أكثر، لأنّ الطبیعة العدوانیة للعدو ثابتة له؛ بل إن السیناریو الذی سبق الضربة الجویة الأولى كان فی منتهى الخداع.

لا نشك فی أنّ العدو الصهیونی یعمل على استثمار تشوّش الوضع السیاسی على صعید المنطقة وتداخل اتجاهاته، ویأمل فی أن یستغرق الكل فی أحلام اللحظة «الأوبامیة» المبشِّرة بالانفراج الإقلیمی،  لیظفر بعنصر المفاجأة الإستراتیجیة ویوجّه ضربته للمقاومة، فالغریزة العدوانیة غیر منضبطة لأیة تقدیرات سیاسیة ولا حتى عسكریة، هذا فی الوضع العادی؛ فما بالك والغریزة مستثارة بفعل الهزیمة التی لحقت بالجیش «الأسطورة»، وعنصر الغدر منغرس فی طبیعته، وكلنا نعلم كیف أنّ العدو خطّط لضربة ماحقة على المقاومة تأخذها على حین غرّة، لكن الله لطف، فقد استدرجت عملیة الأسر؛ التی أنجزتها المقاومة فی تموز؛ العدو إلى تقدیم عدوانه المضمر عن تاریخه الفعلی، وعندما شرع فی حربه بتاریخ 13تموز كان الحزب قد أخذ كل احتیاطاته؛ أفرغ مقرّاته وأمنّ كوادره وقیاداته، وفوّت على العدو وعلى حلفائه من محور التخاذل العربی عنصر المفاجأة.

والذی یطمئن، أنّ المقاومة لا تعرف الاسترخاء، فضلا على أنّها تعرف عدوها جیدا، وتخطط لمنازلته بعقل استراتیجی خلاّق، بل الأمر الذی ینبغی ألاّ یغیب عن أیة قراءة لسلوك العدو الصهیونی، هو أنّ العدو وبرغم تهدیدات قادته العسكریین والسیاسیین للبنان ولـ«حزب الله» تحدیدا، لازال یعیش تحت رُهاب انتقام المقاومة لمقتل قائدها العسكری الشهید عماد مغنیة، فمن قال بأنّ الحساب قد أغلق؟ والعدو نفسه یعرف أنّ المقاومة ستضرب فی الزمان والمكان الذی تختاره هی، لذلك قد یرغب فی استباق الضربة بمغامرة جدیدة.

 فصل المقال أنّ هناك فی ثغور الجنوب - تحدیدا- رجالا لا تنام لهم أعین، ولا یزیحون أصبعا عن الزناد. 

 


ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.