13 April 2010 - 23:07
رمز الخبر: 2051
پ
التحلیل السیاســـی
رسا/تحلیل سیاسی - لا تلتئم عقیدة نوویة جدیدة تجیز استخدام السلاح النووی ضد دولة موقّعة على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النوویة ویفتی مرشدها بحرمة حیازة هذا السلاح؛ مع إستراتجیة أمن نووی؛ إلاّ فی المنظور الأمریکی - المفارق- للأمن والسلام العالمیین./ بقلم عبدالرحیم التهامی.
قمة الأمن النووی..والحاضن الذی غیّر عقیدته النوویة.

 

اختتمت أمس أعمال قمة اﻷمن النووی فی واشنطن، و التی دعا إلیها الرئیس الأمریكی، باراك أوباما على مدى یومین، و شارك فیها سبع و أربعون دولة، وكان عنوان هذه القمة المعلن هو الحد من مخاطر ما یسمى بـ"الإرهاب النووی"وبلورة استراتجیات تحول دون وقوع هذا السلاح فی صیّغه الأولیة مثل الیورانیوم عالی التخصیب والبلوتونیوم المنقى بید المنظمات "الإرهابیة"، وهذا ما عبّر عنه اوباما بالمفارقة التاریخیة لجهة تراجع الخطر النووی على صعید المواجهة الدولیة، مع احتمالات شن هجمات بالمواد النوویة قد تقدم علیها مجموعات"إرهابیة".

لكن أجواء هذه القمّة واللقاءات والمشاورات التی تمت على هامشها نقلت الملف النووی الإیرانی إلى دائرة التداول المكثف، وعلى خلفیة أمنیة وفق المنظور الأمریكی الصهیونی، وهكذا اجتهد الرئیس الأمریكی فی محاولة انتزاع موافقة صینیّة للانضمام لقرار العقوبات التی تسعى دول المحور الأمریكی فرضها على إیران، من دون أن ینجح فی ذلك برغم الإیحاء الأمریكی باستعداد الصین للتعاون على هذا الصعید، فی حین أعلن الرئیس الفرنسی ساركوزی وعلى هامش القمة أن بلاده لن تتخلى عن السلاح النووی باعتباره ضرورة حیویة لأمن بلاده، مشددا فی الآن نفسه على ضرورة الحزم فی معالحة الملف النووی الإیرانی.

لكن المراد غیر المعلن عند الحاضن الأمریكی لهذه القمة هو تثبیت معادلة جدیدة بشكل رسمی وهی القائمة على ذلك التلازم بین الخطر النووی ومواقف العداء لأمریكا؛ سواء صدرت هذه المواقف من دول كإیران أو من تنظیمات معادیة للسیاسات الأمریكیة وهی أوسع من أن نحصرها فی تنظیم واحد، وذلك لإدامة  شعار الحرب على (الإرهاب) وهذه المرة فی صیغته النوویة المفترضة وما یمنحه ذلك من توسیع الوصایة الأمنیة الأمریكیة على أكثر من بلد، هذا من جهة، ومن جهة أخرى خلق مبررات أمنیة لتطویق البرنامج النووی الإیرانی ذو الطبیعة السلمیة والتنمویة، حتى لو كان تعاون إیران مع الوكالة الدولیة للطاقة الذریة فی أعلى درجاته.

فلو صدقت النوایا والتوجهات لتمّ تفعیل اتفاقیة منع الانتشار النووی للعام 1970 من قِبل الدول التی تمتلك أسلحة نوویة وفی مقدماتها الولایات المتحدة الأمریكیة، و لكان هاجس اللجنة الدولیة المعنیة بمنع انتشار الأسلحة النوویة ونزع السلاح النووی تقویة نظام منع الانتشار والتخلص من الترسانة النوویة للدول المالكة، لكن وحلافا لكل ذلك وجدنا رئیس اللجنة الدولیة "جاریث إیفانز" یقلب الحقائق ویزعم أن استمرار إیران فی برنامجها النووی سیدفع دولا فی منطقة الشرق الأوسط؛ وخاصة مصر والسعودیة وتركیا إلى تسلیح نفسها لمواكبة خطر التسلح النووی الإیرانی، مشددا على خطورة الملف النووی الإیرانی على الأمن العالمی وأمن منطقة الشرق الأوسط، لافتا إلى أن النووی الإیرانی أشد خطرا من الملف النووی الإسرائیلی حتى مع إقراره بامتلاك (إسرائیل) لأزید من 200 رأس نووی.

ولو كانت القمة –حقّا- تهدف إلى تعزیز الأمن النووی ومواجهة ما تواضعت على تسمیته بـ" الإرهاب النووی"، فثمة دولة مارقة هی(إسرائیل) تمارس الإرهاب ولا تعترف بالقانون الدولی وطورت سلاحا نوویا بعیدا عن أیة رقابة دولیة؛ حیث یقدر المعهد الدولی للدراسات الاستراتیجیة فی لندن حجم ترسانتها النوویة بما یتراوح بین 100 إلى 300 رأس نووی، وهی إحدى دول ثلاث خارج معاهدة منع الانتشار النووی، بل إن طبیعتها العدوانیة والتوسعیة تجعلها بالمعاییر الأمنیة الدولة الأخطر على السلام والأمن العالمیین، وعوض أن تضغط القمة على (إسرائیل) فی الحد الأدنى لحملها على فتح منشآتها النوویة أمام الوكالة الدولیة للطاقة الذریة، ووضع حد لما یسمى بسیاسة الغموض النووی التی یحلو للساسة الصهاینة التباهی بها كوضع امتیازی فی العالم وضدا على القانون الدولی، فإن أمریكا وكعادتها قررت تجاهل الخطر الإسرائیلی وقللت من حجم قرار مقاطعة (إسرائیل) للقمة، حیث نفت وزیرة الخارجیة الأمیركیة هیلاری كلینتون، تعرض بلادها للتجاهل جراء قرار رئیس الوزراء الإسرائیلی بنیامین نتنیاهو عدم حضور تلك القمة، وأوضحت أنّ ذلك لم یفاجئ واشنطن ولم یؤثر على العلاقات الثنائیة، بل وذهبت هیلاری كلینتون إلى حد الإشادة بموقف (إسرائیل)، قائلة: "أن الإسرائیلیین یشاركوننا القلق العمیق بشأن الإرهاب النووی".

لذلك نقول أن أیة إستراتجیة للأمن النووی لا تنفك عن الأطر الأخلاقیة والإنسانیة، وحیث أن أمریكا كانت سبّاقة لتطویر هذا السلاح واستعماله فی هیروشیما وناكزاكی، وهی تهدد باستعماله وفقا للعقیدة النوویة الجدیدة التی أبقت على أعلى مستویات الردع قائمة فی مواجهة أی دول تسعى لامتلاك القوة النوویة، وذلك بإخراج كل من إیران وكوریا الشمالیة من نطاق الدول التی تتمتع بالحمایة من احتمال هجوم نووی أمریكی، وحیث أن أمریكا تعتبر حامیة ومتواطئة مع دویلة الإرهاب الصهیونی(إسرائیل) التی تمتلك السلاح النووی خارج أی رقابة دولیة، فهی فاقدة للصلاحیة الأخلاقیة، ولا یمكن لها بالطبیعة أن تنخرط فی مشروع "عالم من دون سلاح نووی"، لأنّ استراتجیتها القائمة على الردع النووی لا تؤدی إلى سلوك حضاری وإنسانی على هذا الصعید.

أما إیران المستهدفة فی سیاستها النوویة السلمیة، والتی أفتى مرشدها الأعلى آیة الله علی الخامنئی بحرمة تطویر وحیازة واستعمال هذا السلاح المدمر، إیران التی تنطلق من مفاهیم الإسلام وقیم رسالته العظیمة؛ تعتبر هی المؤهلة لتقود حملة عالمیة لنزع السلاح النووی، وقد أحسنت صنعا بمبادرتها فی استضافة مؤتمر بشأن نزع السلاح النووی دعت إلى عقده فی العاصمة طهران یومی 16 و17 ابریل/ نیسان بمشاركة خبراء ومسؤولین من نحو 60 دولة.

إن أولى ثمرات المبادرة الإیرانیة المتوقعة هی فی فضح هذه الازدواجیة فی المعاییر الدولیة، وتحریر العالم من وصایة دول فاقدة للأهلیة الأخلاقیة والحضاریة، بل هی متورطة فی جرائم احتلال كأمریكا وبریطانیا أو ذات ماض استعماری مخز كألمانیا وفرنسا، دول مشبعة بعقیدة القوة وبطموحات الهیمنة. 

وكما یقال فإن طریق الألف میل یبدأ بخطوة واحدة.

 

 

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.