15 August 2010 - 23:51
رمز الخبر: 2624
پ
رسا/آفاق- یحمل تکاثر الفضائیات التی تصنّف بأنها شیعیة على طرح سؤال المشروع الإعلامی فی هذه القنوات، وإخضاع هذا الأداء الإعلامی المستجد على الواقع الشیعی إلى ممارسة نقدیة قد تسهم فی بعض الاستدراکات. بقلم عبدالرحیم التهامی
الفضائیات الشیعیة..وسؤال المشروع الإعلامی


مع الطفرة الکبیرة فی حقل الإعلام الفضائی أضحت التصنیفات تفرض نفسها وصارت الإضافة المبرزة للهویة المذهبیة أمرا دارجا فی التداول الإعلامی، فالفضائیة لا تقنع باسمها المنتخب الذی تبث من خلاله على هذا القمر الصناعی أو ذاک بل أضحت حریصة على هویتها المذهبیة التی تحال علیها حتى صرنا أمام حالة فرز واضحة؛ فضائیات وهابیة تقابلها فضائیات شیعیة، بعضها یعیش على الحرب فی مفهومها الإعلامی وبعضها اضطر إلى الاستدراج إلى الحرب من باب بیان الحقیقة أو من باب أنّ الوقت قد حان لیعرف الناس الحقائق التی ظلت مغیبة عنهم لقرون.
وإذا کانت الفضائیات الوهابیة السافرة الهویّة أو تلک التی تسدی الخدمة وتبیع فترات من البث مدفوع الأجر کحال قناة "المستقلّة" واضحة فی مشروعها الفتنوی إذ لا مشروع لدیها فی الجوهر إلاّ التشنیع على الشیعة والافتئات على عقائدهم وتشویه صورتهم، فإن صراع الإرادات فی المنطقة على الاستقلال والانتماء الحضاری أنتج حاجة أمریکیة وإسرائیلیة إلى تناسل وتکاثر مثل هذه القنوات السلفیة لإدراج خدماتها فی إطار هذا الصراع، وتحدیدا لاستهداف المشروع الثوری الإسلامی فی إیران و"حزب الله" - لبنان- من الواجهة المذهبیة للتشویش على مجمل حالة المقاومة فی الأمة وذلک بربطها بما یسمى بالتشیّع الفارسی وتطلعاته الإقلیمیة.
وهکذا فإنّ الدافع العقائدی فی الأداء التحریضی على الشیعة والتشیّع بشکل عام قد تراجع أمام الوظیفة السیاسیة المستجدّة و الموکلة أمریکیا کما سبقت الإشارة ، ویجدر التذکیر هنا بتلک الواقعة الدالة والتی حصلت قبیل سیطرة حرکة "حماس" على قطاع غزة حین کان بعض الفتحاویین من أنصار محمد دحلان یرفعون شعار:" شیعة،شیعة" وهم یشیرون إلى تجمع لأنصار "حماس".
لکن الذی یثیر السؤال حقّا هو مشروع القنوات الشیعیة؛ ونحن مضطرین هنا لاستعمال هذه التصنیف -شیعیّة- مجارة للتواضع الحاصل فی هذا الأمر؛ ولعل سؤال: ما هو المشروع الإعلامی لهذه القنوات؟ یفرض نفسه بل هو محک للمشروعیة الإعلامیة المبرّرة بالاعتبارات الإعلامیة الحضاریة الصرفة وبالإضافة النوعیة فی حقل الإعلام.. وإلاّ فمع الافتقار إلى الرسالة الإعلامیة فإنّه یُصار إلى اعتبار هذه القنوات قنوات طائفیة لا مشروع لها إلاّ حمل الحطب إلى الفرن المذهبی الذی یراد إدخال کل الأمة إلیه لإحراقها.
هذا الموقف قد یبدو قاسیا لکن إذا استحضرنا اللحظة التاریخیة واستحقاقاتها، وهی الاستحقاقات التی تعکس نفسها ولیست بحاجة إلى تعمّل أیّ کان لتحدیدها، سیتغیر الحکم، فوحدة الأمة استحقاق تاریخی وهی ممکنة برغم التعدد المذهبی والثقافی واللغوی وهی قبل ذلک کلّه أصل قرآنی حاکم؛ وحدة هموم وقضیة، وحدة مصیر ووحدة موقف من الأعداء والمتربصین. المقاومة استحقاق لانها التعبیر عن الکرامة فی تحریر الأرض ودحر العدوان على الآمة وهی النقیض لثقافة الهزیمة والواقعیة الجبانة أمام موازین القوة المادیة. التنمیة استحقاق وهو مفهوم أعم من أبعاده الاقتصادیة بل منطلقه هو الإنسان المسلم تأهیلا وتربیة وإعدادا حضاریا. العدالة استحقاق وواجهاتها ما بین داخلیة حیث الاستبداد یسد على شعوب الأمة منافذ الانطلاقة الحضاریة، وخارجیة حیث الهجمة الاستکباریة على الأمة استغلالا لثرواتها واحتلالا لبعض أوطانها، ومعاکسة تطلعاتها فی التنمیة کما یتجلّى ذلک فی المشروع النووی الإیرانی السلمی. الأخلاق استحقاق وهی مستهدفة من خلال الهجمة الممنهجة علیها ومحاولة تقویض النظام القیمی والأخلاقی لکل المجتمعات من خلال الترویج لمفهوم فی الحریة مغلوط ومشوّه، والسعی لعزل الدین عن صیاغة الدوافع والاستجابات السلوکیة، ونشر ثقافة الإسفاف والابتذال والمیوعة.. وهی تحد عالمی تواجهه البشریة. البیئة والتعدی علیها استحقاق فعلی نعاین آثاره فی اضطرابات المناخ وکوارث الطبیعة.. ونحن نمتلک فیه کمسلمین کما فی کل القضایا الاخرى رؤى فقهیة متقدمة.
فأین هذه القنوات من هذه الاستحقاقات؟ وهل یکفیها أن تجلّی هویتها المذهبیة من خلال حوارات تتکرر فیها نفس الوجوه؛ وکأن الحوزات لم تنتج لنا إلا بعض الأسماء التی تنتقل من قناة إلى قناة؟ وهل برامج عقائدیة جدالیة وخطب حسینیات؛ وبعضها یکون شینا على المذهب وأصالته؛ یعتبر کافیا ومبرّرا لوجودها ویجعل المیزانیات التی تعتمدها بعیدة عن شبهة التبذیر؟
من حق کلّ جهة أن تفتتح لها قناة لتعرّف بمذهبها وتدافع عن فهمها للدین، بل وأن تحوّل القناة إلى جامعة أو حسینیة مفتوحة، لکن ذلک قد یصبح مستهجنا مع تعدد وتکرار نفس المشروع فی قنوات عدیدة دونما إضافة نوعیة، ودونما منهج أو رؤیة إعلامیة.
فالمشهد العاشورائی مثلا الذی تنفتح به معظم هذه الفضائیات على العالم هو مشهد نمطی واحد مشدود إلى الواقعة فی تفاصیلها وفی أبعادها التفجعیّة، وقلما نجد تناولا یرکز مثلا على النهج؛ نهج الإمام الحسین علیه السلام فی الثورة، أو مستوى من التناول یشیر إلى أهداف نهضته المبارکة ومفاعیلها فی التاریخ، أما استثمار کربلاء فی مجریات الصراع وتحیینها بل وتحویلها إلى ثقافة مقاومة فی الأمة وقوة دفع فی مسیرة کفاحها لأجل افتکاک حقوقها من القوى المستکبرة وأدواتها المحلیّة.. فذلک ما لا یمکن أن تظفر به إلاّ فی قناة "المنار" وهی على کل حال قناة مقاومة واضحة المشروع والرسالة الإعلامیین بعیدة کل البعد عن نزعات التمذهب الضیّق، کما هی خارج عن مجال هذا التناول النقدی.
إنه لمن المحزن أن لا تستطیع هذه الفضائیات أن تبلور رسالتها الإعلامیة بوضوح وحرفیّة، وأن تتحرر من نزعتها المذهبیة الضیّقة التی تحصر مجال تأثیرها وتبدّد جهدها، بل الکارثة فی أن تغدو اهتمامات ورهانات بعض هذه القنوات وبالمعیار التاریخی..لا تاریخیة
ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.