04 November 2010 - 15:19
رمز الخبر: 2814
پ
رسا/تحلیل سیاسی- کانت الأیام٤٤٤ من الاحتجاز لجواسیس السفارة الأمریکیة بالنسبة للشعوب المستضعفة وکأنها موسم مسترسل للشماتة فی أمریکا ورئیسها المذلول کارتر..الیوم تحلّ الذکرى الواحدة والثلاثون ومع قراءة فی الحدث. بقلم عبدالرحیم التهامی.
فی ذکرى السیطرة على وکر الجاسوسیة فی طهران..ویستمر الصراع



کان مشهد احتلال السفارة الأمریکیة فی طهران من قبل الطلبة الإیرانیین والتی غدا اسمها على وفق اللغة الثوریة "وکر الجواسیس" مشهدا من مشاهد الثورة الإسلامیة المجیدة التی قلبت کل المعادلات والموازین.
ولیس مبالغة فی التقدیر ذلک الرأی الذی ذهب إلى أنّ واقعة احتلال السفارة الأمریکیة شکل احتفالیة ثانیة لانتصار الثورة، وکأنّه لم یکن کافیا أن تُسقط الثورة الإسلامیة بقیادة الإمام الخمینی(رض) نظام الشاه المتمحض فی العمالة لأمریکا، حتّى احتاجت الثورة إلى خطوة إضافیة تستکمل بها انتصارها بلّه ولادتها الثانیة، وهکذا کانت الخطوة التی أقدم علیها الطلبة الإیرانیون السائرون على خط الإمام فی ٤ من تشرین الثانی عام ١۹٧۹.
وبمعزل عن السبب/الذریعة التی حرکت جموع الطلاب الثوریین لاقتحام الوکر الأمریکی، والذی تمثل فی استقبال الشاه الفار والهائم على وجهه فی القارات ضیفا على أمریکا، فإنّ منطق الثورة والذاکرة الجریحة کانت تفرض هذا التصعید وتدفع بالتناقض بین الثورة و أمریکا رأس حربة الاستکبار العالمی إلى ذروته..بل إن الاحتراز الثوری کان یقتضی شل الوکر التجسسی الأمریکی عن أی تحرک أو دور تخریبی قد یقوم به فی سیاق وضع ثوری کان أشبه بالمخاض على صعید حسم خیارات الثورة وتوجهاتها الاستراتجیة.
ولم تکن مبارکة الإمام الخمینی(رض) لخطوة الطلبة الثوریین منحصرة فی الاعتبارات المبدئیة فقط، بل لأنّه رأى فیها ترسیما لقطیعة جذریة مع أمریکا وتحریرا لمجال الصراع معها، وکأن الثورة لا تکون ثورة إلا فی إدامة هذا التناقض مع أمریکا على وفق هویتها الاستکباریة ونزعتها فی الهیمنة.
فلم یکن ممکنا البثة أن تنشأ علاقة دبلوماسیة عادیة بعد الثورة بین إیران الإسلام والولایات المتحدة الأمریکیة، لأن منطق الثورة التطهیری والتطّهری کان یدفع نحو حتمیة القطیعة بل الصراع بین ثورة إسلامیة منفتحة على أفق المحرومین والمستضعفین وبین قوة تسلطیة استکباریة تتعاطى فی سیاسیاتها تجاه الشعوب بمنطـق القوة والاستلحاق. ولذلک لا یمکن النظر إلى حادثة اقتحام السفارة إلا باعتبارها تجلّ لهذا الصراع الحتمی بین منطق استکباری تعاملت به أمریکا مع الشعوب المستضعفة وبین منطق تحرّری خَلاصی وثوری انبثق کمعادلة جدیدة فی الصراع الدولی مع انتصار الثورة الإسلامیة وبزوغ عهد المستضعفین.
ذهل العالم وهو یرى السفارة الأمریکیة فی قبضة الطلبة الثوریین، ولم تستوعب دوائر القرار الغربی کما إعلامه الحدث، ولم تذق أمریکا طعم إذلال کما أذاقها إیاه الطلبة الثوریون وعلى مدى٤٤٤، دبلوماسیون یقدَّمون معصوبی الأعین أمام الکامیرات بصفتهم جواسیس ضالعین فی جرائم التآمر على الشعب الإیرانی، وسفارتهم تجوبها الکامیرات وتتوقف العدسات أمام الکم الهائل من الوثائق المفرومة التی تخلص منها الدبلوماسیون فی لحظة الهجوم على وکرهم..لم تعرف أمریکا یومیات إذلال طویلة وقاسیة تمس بکبریائها الزائف وغطرستها کما حصل على طول اشهر السیطرة على السفارة/الوکر.
لحق العار بأمریکا وقدّم الطلبة الثوریون مستمسکات قویة لإدانة أمریکا وفضحها فی العالم، فالوسائل التجسسیة التی اکتشفت فی وکر التجسس، والوثائق التی وقعت فی ید الطلبة، بما فیها تلک التی تم تمریرها فی آلة الفرم (حیث تم ترکیبها)..کل ذلک أظهر للعالم الدور التخریبی للبعثات الأمریکیة، خاصة فی دوّل ما کان یعرف بالعالم الثالث، حیث الوظیفة التآمریة هی الوظیفة الأساس لهذه البعثات والقائمة على معاکسة وإجهاض کل محاولة فی التحرر من الأنظمة الدیکتاتوریة العمیلة، والتخطیط للانقلاب على إرادة الشعوب کما حصل فی إیران نفسها من خلال الإطاحة بحکومة مصدّق المنتخبة، وقد کان نصیب أمریکا من إزاحة هذا الأخیر الحصول على ٤٠فی المائة من أسهم شرکة النفط الإیرانیة القومیة، أو کما حصل فی التشیلی من خلال تدبیر انقلاب عسکری دموی على حکومة منتخبة دیمقراطیاً برئاسة سلفادور اللندی فی العام ١۹٧۳م تمخض عنه حکومة دیکتاتوریة بزعامة بینوشی مدعومة أمریکیا، اقترفت الکثیر من الجرائم من بینها اختفاء ۱۳٠ ألف مواطن وتعلیق المسار الدیمقراطی حتى عام ١۹۹٠، إلى غیر ذلک من نماذج التآمر على الشعوب وإجهاض مشاریعها التحرریة.
بعد انتصار الثورة، جاءت ضربة السفارة، وإذلال أمریکا لیبرز معها الوجه التحرری للإسلام، وهو ما أسهم فی تغییر الصورة النمطیة عن الدین عموما وموقعه فی الصراع لدى الکثیر من الحرکات والتنظیمات الیساریة فی العالم العربی والإسلامی، وتهیأت معه عوامل کل هذه الصحوة الإسلامیة التی غیرت الخارطة التنظیمیة والفکریة فی العالم الإسلامی.
انحسر الیسار وتقدمت الحرکة الإسلامیة فی أکثر من ساحة، ولم یکن هذا التموقع المتقدم عائد بالضرورة إلى عناصر قوة فی مشروع هذه الحرکات، لکن الأکید أن قوة الدفع التی أحدثها انتصار الثورة، وما أعقبها من إذلال الطلبة الثوریین لأمریکا فی واقعة السفارة؛ وهو الإذلال الذی لن ینمحی من الذاکرة الأمریکیة التاریخیة؛ کل ذلک کان حاسما فی إطلاق دینامیة الإسلام السیاسی عبر العالم، حتى ونحن نقر بأن الاعتبارات المذهبیة والحرب المفروضة على الجمهوریة الإسلامیة الناشئة لم یسمحا لکثیر من هذه الحرکات بأن تنفتح بالشکل المطلوب مع مشروع الثورة الإسلامیة، ولا بأن تتفاعل بقوّة مع الجهاز المفاهیمی الذی بلورته الثورة فی سیاق معرکتها ضد الظلم العالمی.
لم تشهد أمریکا فی تاریخها حالة من المواجهة الثقافیة وعبر جهاز مفاهیمی ینهل من الرؤیة الدینیة ویعتمد اللغة القرآنیة، کما حصل مع الثورة الاسلامیة بحیث صارت تجسیدا للشیطان الأکبر، ورأس الاستکبار العالمی وعدوة المستضعفین فی الأرض.
نعم وُوجهت أمریکا ایدیولوجیا کنظام اقتصادی رأسمالی من خلال الأدبیات المارکسیة، وفی برامج الأحزاب الشیوعیة، واعتبرتها حرکات التحرر فی العالم ظاهرة امبریالیة، ونابذتها الشعوب بالعداء والکراهیة، لکن مأزقها تعمّق مع الرؤیة الإسلامیة الثوریة التی أضفت علیها تطابقا مع الشیطان الأکبر فی کیده وتآمره وتربّصه وفی عداوته للناس.
ولعلّ هذا یضعنا أمام حقیقة وهی أنّ أمریکا لا تصلح أن تکون صدیقة للشعوب لأنّ معضلتها بنیویة تتصل برکائزها الاقتصادیة والسیاسیة والعسکریة والأمنیة، وتمتد إلى تاریخ تشکلها وإلى أخلاقیاتها بکل المدلول السلبی للأخلاقیة الأمریکیة الناهلة من قیّم القوة والعلوّ فی الأرض والغارقة فی نزعاتها العنصریة.
إنّ صورة الشیطان آبیة عن التهذیب، ولن یغیّر رئیس من صورة أمریکا، وها هی سنتان من عمر الزمن الأمریکی فی صیغته الأوبامیة تؤکد أنّ أمریکا لن تتغیر، إلاّ أن یُفرض علیها التغیّر؛ وذلک بیقظة الشعوب وبنضالها، وبافتکاکها لحقوقها السیاسیة والاقتصادیة، وبفرض سیادتها على قرارها وعلى مجالها الحیوی، وبتدبیر أمنها ضمن تکتلات إقلیمیة، بما یقطع دابر الوجود الأمریکی فی أکثر من ساحة، وبما یفرض علیها القبول بوضع جدید تکون فیه دولة لکن من دون نزعات استکباریة.
ولعل فشل المشروع الأمریکی فی المنطقة، وانهیار صورتها الأخلاقیة فی العالم، وانهیار حلمها فی "شرق أوسط جدید"، یجعل المسافة قریبة إلى مسرح اندحارها کلیة عن منطقتنا، وما هو إلا شوط تاریخی حتى تقرّ أعین الأحرار بذلک بمثل ما قرّت به الأعین ذات یوم من شهر "آبان" یوم سقطت السفارة بید الثوّار.
ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.