17 August 2009 - 16:07
رمز الخبر: 292
پ
رسا / حوارات - أجاب الشیخ الصفار فی حوار تفصیلی مع قناة العالم الفضائیة عن عدة سوالات فی مجالات مختلفة
صفار


مقدم البرنامج: السلام علیكم.. فی القطیف، وفی عمر مبكر كانت البدایة، وكانت الانطلاقة، لینتقل بعدها إلى الحوزة العلمیة فی النجف الأشرف، ثم الحوزة فی قم، ثم حوزة الرسول الأعظم  فی الكویت، والسیدة زینب  فی دمشق، ومنها یعود إلى القطیف مجدِّدًا مسیرة الفكر والدعوة.

صاحب أكثر من تسعین كتابًا وكتیبًا ومؤلَّفًا، تنوعت بین: «التعددیة والحریة فی الإسلام»، و: «التسامح وثقافة الاختلاف»، و: «المذهب والوطن»، و: «الأحادیة الفكریة فی الساحة الدینیة».

إنه حامل رسالة الوعی، ورسالة الحركة التی لا تهدأ فی سبیل وحدة الإسلام، والوحدة الإسلامیة، والتقریب بین المذاهب، إنه العالم والمفكر السعودی المقدَّر من قبل المراجع الدینیة فی بلده، وفی العالم الإسلامی، اسمحوا لی أن أرحب بسماحة الشیخ حسن الصفار، ضیف «مراجعات» لهذه اللیلة:
أهلًا وسهلًا سماحة الشیخ.

الشیخ الصفار: السلام علیكم ورحمة الله وبركاته.

المقدم: نرحب بكم فی هذه الحلقة من مراجعات، طبعًا المراجعات معكم ستكون غنیة، وقد لا تكفیها ساعة أو ساعتان، لكن سنحاول أن نتوقف عند المحطّات البارزة، وبالخصوص المحطات الفكریة منها والدعویة، لاسیما فترة الانطلاق وتكوین الشخصیة.

قبل أن أبدأ الحوار معكم ونغوص فی المراجعات، اسمح لی أن أتوقّف مع هذا التقریر، الذی یلقی الضوء على شخصیتكم و نبذة عن حیاتكم.

التقریر: ولد الشیخ حسن الصفار عام 1377ه، الموافق لعام 1958م، فی مدینة القطیف، من المنطقة الشرقیة فی المملكة العربیة السعودیة، تعلّم القرآن الكریم فی الكتاتیب الأهلیة فی القطیف، ثم درس المرحلتین الابتدائیة والمتوسطة فی المدینة نفسها، وقد كانت بدایته الحوزویة فی مدینة القطیف، ثم هاجر إلى النجف الأشرف فی العراق عام 1971م، حیث شكلت حوزتها العلمیة منعطفًا فی مسیرته العلمیة، وهناك تعرف إلى كبار المراجع، كالسید أبو القاسم الخوئی (ره)، والإمام الخمینی (ره)، وأعجب بفكر الشهید السید محمد باقر الصدر (ره)، وغیرهم من العلماء، غادر الحوزة العلمیة فی النجف الأشرف، إلى بلدته القطیف للمشاركة فی إحیاء ذكرى عاشوراء، وقرّر عدم العودة إلى النجف، وذلك إثر الاعتقالات التی طالت العدید من طلاب الحوزات العلمیة فی العراق بتهمة الانخراط بالعمل السیاسی هناك.

یمَّم وجهه ـ بعد ذلك ـ شطر حوزة قم المقدسة، وهناك تعرف أكثر إلى تلامیذ الشهید الصدر وعلماء قم، وقد أضافت هذه المرحلة إلى وعیه السیاسی الكثیر من الرصید، الذی لازمه فیما بعد عندما قرّر الدخول فی معترك السیاسة والتغییر الاجتماعی.

فی عام 1973م، التحق بحوزة الرسول الأعظم  فی الكویت، وقد فتحت له آفاقًا جدیدةً فی مسألة المناهج الإسلامیة، والثقافة المرتبطة بالواقع، فشرع یؤسس للأفكار التی عُر ف بها فیما بعد، وإثر هذا الاحتكاك فی حوزة الرسول الأعظم  فی الكویت قرّر الشیخ حسن الصفار العودة إلى مسقط رأسه القطیف، بزاد فكری وثقافی وعلمی أهَّلَهُ لأن یقوم بأدوار بالغة الأهمیة فی تلك المرحلة.

المقدم: سماحة الشیخ، عودة إلى البدایات والانطلاقة الأولى: القطیف، فی تلك المرحلة التی نحاول أن نرجع معك فیها إلى الماضی، كان هناك المدرسة الأخباریة والمدرسة الأصولیة، الأولى: تقوم على حدیث الأئمة دون إعمال العقل إلى حدٍّ مّا، بینما الثانیة: تقرّ مبدأ الاجتهاد، سماحتكم اخترتم الثانیة وآمنتم بها فی الفكر الشیعی الذی مارستموه لاحقًا من خلال الدعوة ومؤلفاتكم وكتبكم، لماذا كان هذا الخیار؟ لأبدأ من هذه النقطة.

الشیخ الصفار: بسم الله الرحمن الرحیم، الحمد لله رب العالمین، والصلاة والسلام على نبینا محمد وآله الطاهرین وصحبه الطیبین.

 


الواقع الذی كان یعیشه شیعة المملكة كان یدفعهم للبحث عن اتجاهات ثوریّة وحركیّة.
فی البدایة أُسجل تقدیری لهذا البرنامج المفید، برنامج «مراجعات»؛ لأنه یسلِّط الأضواء على تجارب نحتاجها ویحتاجها هذا الجیل، وستكون ثروةً للأجیال القادمة، أرجو أن یكون هذا البرنامج مفیدًا وثریًا دائمًا، وذلك باختیاراتكم الموفَّقة للشخصیات التی تتحاورون معها، وبالمحاور التی تطرحونها فی اللقاء معهم.

المقدم: نشكركم على هذا التقییم على كل حال.


المدرسة الأخباریة والمدرسة الأصولیة

الشیخ الصفار: المدرستان الأخباریة والأصولیة مدرستان تختلفان فی أدوات وآلیات الاستنباط للأحكام الشرعیة.

فالمدرسة الإخباریة: ترى الاكتفاء بعنصرَی الكتاب والسنة، ولا ترى للإجماع والعقل دورًا أساسًا فی استنباط الأحكام الشرعیة.

بینما المدرسة الأصولیة: أضافت عنصرین آخرَین، هما: الإجماع والعقل إلى جانب الكتاب والسنة فی استنباط الأحكام الشرعیة.

وقد كانت المدرسة الأخباریة هی المدرسة السائدة سابقًا فی العالم الشیعی، ولكن فی القرون الأخیرة بدأت المدرسة الأصولیة تكون هی الغالبة. وقد خاضت كلٌّ من هاتین المدرستین معارك وصراعات علمیة طویلة، كانت الغلبة فیها للاتجاه الأصولی، ومما یؤسف له أنْ تحوّل الصراع فی بعض الأحیان إلى صراع اجتماعی، ولّد فرقة بین أتباع الاتجاهین، وما كان مفترضًا هو أن تقتصر حالة التجاذبات والصراعات على الحوار العلمی فقط.

وینبغی أن نشیر إلى أن هناك بعض التطرُّف فی كلا المدرستین، كما أن هناك الشیء الكثیر من الاعتدال، فمن یقرأ الشیخ یوسف البحرانی (ره) فی الحدائق الناضرة ـ رغم أنه من المدرسة الأخباریة ـ یجد لدیه الكثیر من الإنصاف والاعتدال، وهو یعد مدرسة أخباریة معتدلة فی مجال الخلاف بین هذین العنصرین.

وحینما نعود إلى منطقة القطیف، نجد أننا ما كنّا نعیش فیها صراعًا بذلك المعنى؛ لأن الصراع إنما یحصل حینما تكون هناك حالة علمیة فقهیة حوزویة، بمعنى أن یكون هناك فقهاء ضمن هذه المدرسة وفقهاء ضمن تلك المدرسة، فیخلق جوًّا من النقاش والحوار، یحتدم الصراع تارة، ویخفّ أخرى، فیكون هناك صراع بین المدرستین.

وما كان موجودًا فی منطقة القطیف ـ فی الغالب ـ هو وجود أتباع للمدرستین فقط، إذ یوجد فقهاء من الجانبین، ولكن لم تحصل فی ساحة المنطقة ما یمكن أن نُعبّر عنه بأنه صراع بین المدرستین. نعم، كانت تحصل بعض الخلافات البسیطة بین الأتباع، أما العلماء فكانت علاقتهم ضمن المستوى والحوار العلمیَّیْن.

المقدم: فقط للتوضیح سماحة الشیخ، ترید أن تقول بهذا المعنى أنَّه ما مِن إشكال علمی تفسیری اجتهادی بین المدرستین، إنما الأمر كان یحصل بین الأتباع. لكنی إلى الآن لم أعرف تمامًا إلى أی مدرسه انتمیتم، فقد تحدثْتَ بشكل عام؟

الشیخ الصفار: حینما نشأتُ فی المنطقة كانت الأمور فیها قد استقرّت ـ أو كادت أن تستقر ـ لسیادة الاتجاه الأصولی، والاتجاه الأخباری كان اتجاهًا محدودًا قیاسًا إلى عدد العلماء المنتمیین له، وكذلك الأتباع المنتمین لهذا الاتجاه.

أما المدرسة التی كنتُ أنتمی إلیها، فقد كنتُ ضمن المدرسة الأصولیة، لكن هذا ـ فی الأصل ـ لم یأتِ نتیجة اختیار، فكما تعلمون أنَّ غالب الناس تكون انتماءاتهم الدینیة والمذهبیة والمدرسیة ـ ضمن المذهب الواحد ـ تبعًا لأسرهم وللبیئة العائلیة التی ینشأون فیها. فالأسرة التی نشأتُ فیها كانت ضمن المدرسة الأصولیة، فمن الطبیعی أن أجد نفسی ضمن هذه المدرسة. ولكنِّی بعد أن اتجهت للدراسة الدینیة وبدأت أطَّلع على معالم المدرستین (الأخباریة والأصولیة)، تأكَّدَتْ عندی القناعة بهذا المنهج فی ذلك الوقت، كما تَأَكَّدَتْ لدیَّ القناعة بأن المدرسة الأخباریة حصل فیها تطویر وتغییر، فما عادت بالصورة السابقة نفسها التی كانت علیها قبل قرنین، وبخاصّة مع وجود علماء وفقهاء مثل الشیخ محمد أمین زین الدین (ره) فی النجف الأشرف، حیث یُعَدُّ ضمن المدرسة الأخباریة، ولكن علاقته مع المدرسة الأصولیة وتداخله مع وسطها العلمی كان عالیًا وكبیرًا، مما جَسّر هذه العلاقة وأنهى أی كلام عن الخلاف أو النزاع.


التعلیم الدینی فی القطیف

المقدم: سماحة الشیخ، بعد هذه المقدمة الغنیّة، التی أعطتنا فكرةً عن وجود هاتین المدرستین وتفسیرك لمضمونهما والخلاصة التی وصلت إلیها، فَلْأَدخل هنا فی الأجواء والمحیط، فعندما بدأتَ بدراسة كتاب «قطر الندى وبلّ الصدى» وكتاب «شرائع الإسلام» كانت المدارس الحوزویة فی القطیف ـ ونتحدث هنا بصراحة ـ محاصرة، والتعامل الرسمی معها كان حسّاسًا للغایة.

أولًا: كیف تجاوزتم هذه الحالة والحصار من جهة، والإصرار على التعلیم من جهة أخرى؟، لنتعرفْ إلى هذا الجانب على الأقل.

 


المرحلة التی بدأتُ فیها دراستی، كانت القطیف والأحساء فی مرحلة جفاف وأفول للحالة العلمیة، بخلاف ما تعیشانه الیوم من حركة ونشاط.
الشیخ الصفار:  التعلیم الدینی فی القطیف كان محدودًا، ولم یكن مُتَمَظْهِرًا على شكل حوزات علمیة، أی إنه ـ فی المرحلة التی نشأتُ فیها ـ كان كل عالم من العلماء یجد له مُتّسعًا من الوقت وتكون عنده إمكانیة للتدریس، یلتفّ حوله بعض الراغبین فی دراسة العلوم الدینیة، ولم یكن هؤلاء ـ وقتذاك ـ یشكّلون ظاهرة وحالة منتشرة، إذ كان الذین یدرسون العلوم الحوزیة فی محافظة القطیف عددًا قلیلاً، لا یتجاوزون ثلاثین أو أربعین شخصًا، وكان كل عالم من هؤلاء له أربعة أو خمسة من الشباب الذین یستفیدون منه ویدرسون على یدیه، ومن ثَمّ لم یكن هناك مظهر یتأثر بالضغوط التی یمكن أن تمارس ضدّه، بالإضافة إلى أنَّ تلك المرحلة لم تكن الحالةُ المذهبیة مَعْرَضًا للضغوط السیاسیة بهذا الشكل الذی رأیناه فیما بعد، فقد كانت الحالة هادئة، ولم یكن هناك ما یلفت النظر أو التحسُّس لأی مشكلة ظاهرة واضحة، لم نكن نجد مشكلة فیما یرتبط بمسألة الدراسة الدینیة فی القطیف.


مرحلة ما قبل انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران

المقدم [مقاطعًا]: ولكن قیل إن هذه الحسینیات أو الحوزات ـ على قِلَّة عددها ـ إلا أنها كانت محاطة إلى حدٍّ مّا بالرقابة أو بالمتابعة، وإن لم تكن الحساسیة بالشكل الذی یفهمه البعض الآن. ولكنّی أرید أن أتحدث عن هذه النقطة سماحة الشیخ، بصراحتك ـ مع أنك محسوب على الاعتدال، ونحاول أن نطرح الموضوع معك من أكثر من زاویة ـ: قیل إن الظهور بالعنوان الشیعی تلك المرحلة كان ـ إلى حدٍّ مّا ـ محظوراً، بحیث تعرّض العدید من العلماء للاعتقال لمجرّد ثبوت تلقّیهم للعلوم الدینیة. وإذا ما تجاوزنا فكرة الاعتقال، هل أثّرت هذه الأجواء فیكم؟ وهل دعْوَتُكم ـ لاحقًا ـ لفتح حوار بین السنة والشیعة ساهمت فیها هذه المناخات؟

الشیخ الصفار: یمكننی أن أقسّم الوضع ـ على المستوى المذهبی فی منطقة القطیف والأحساء ـ إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: التی عایشتُها قبل انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران، ففی هذه المرحلة لم تكن هناك مشاكل كبیرة واضحة، وهذا یعود لسببین:

السبب الأول: إن الشیعة كانوا فی حالة ركود وسبات، وكان نشاطهم متواضعًا وتقلیدیًّا؛ یصلّون فی المساجد، ویقیمون فی حسینیاتهم مراسم العزاء فی المناسبات، ولم تكن هناك مظاهر صارخة أو واضحة للنشاط والفاعلیة الدینیة.

السبب الآخر: أن الحكومة لم تكن تلحظ فی الحالة الشیعیة شیئًا یسبِّب القلق الأمنی؛ لأن الأمور لم تكن مُسَیَّسَة، لهذا لم تكن هناك ضغوط واضحة على النشاط الدینی، الذی كان ـ فی غالبه ـ یمثّل حالة من البساطة.

المقدم [مقاطعًا]: حتى مسألة الحساسیة المذهبیة ـ برأیكم ـ لم تكن قائمة فی هذه المرحلة بالتحدید؟

الشیخ الصفار: كان الناس یشعرون بأنهم لا یعیشون متساوین مع بقیة المواطنین فیما یرتبط بفرص الوظائف العلیا، وكذلك فیما یرتبط بتنمیة منطقتهم اقتصادیًّا، كانوا یجدون أنَّ منطقتهم تحتاج إلى كثیر من الخدمات، و إلى كثیر من العمران، وبالإضافة إلى هذین الأمرین كان هناك ـ أیضًا ـ حظر ثقافی، فالكتب الشیعیة لم یكن مسموحاً لها أن تدخل أو أن تُتَدَاوَل.

المقدم [مقاطعًا]: هذا من الممنوعات؟

الشیخ الصفار: كان هذا فی السابق، وفی المجال الإعلامی، لم یكن هناك أی فرصة لأحد من الشیعة ـ وبخاصة على المستوى الدینی ـ أن یكون له بروز وظهور إعلامی، ولم یكن هناك من یطمح لذلك.

كانت الحالة هادئة فی تلك المرحلة، وكانت هناك بعض المشاكل السیاسیة، ولكن لیس ضمن الحالة المذهبیة، وإنما كانت هناك حركات وطنیة یساریة انخرط فیها بعض من أبناء الشیعة، فالواقع الذی كانوا یعیشونه كان یدفعهم للبحث عن اتجاهات ثوریّة وحركیّة، وفی تلك الحقبة كانت المرحلة الناصریة فی الوطن العربی، وكانت الأحزاب تعمل، مثل: حزب البعث فی العراق وسوریة، والحزب الشیوعی فی الیمن الجنوبی، فتفاعل بعض أبناء الشیعة فی المنطقة الشرقیة مع هذه الأطروحات، وانتظموا ضمن هذه الحركات، بل أصبحوا نشطین وفاعلین فیها سیاسیًّا، فحینما تفتَّحَتْ مداركی آنذاك شعرتُ بأن هناك معركة سیاسیة، كانت الدولة تعتقل بعض هؤلاء، وكانت الأسر تعیش حالة من التوجس وبخاصّة فی السنوات: 1967، 1968، 1969م، التی كنّا نعیش فیها ضغوطًا على الأطراف المنتمیة للتوجهات الیساریة والوطنیة، كانت الحالة الدینیة بمنأى عنها، فلم یكن هناك أی نوع من الصدام بینها وبین أجهزة الدولة.

المقدم: إذًا أنتم تفصِلون بین المعترك السیاسی والمعترك الدینی والمذهبی؟

الشیخ الصفار: هذا قبل انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران، أما بعد انتصار الثورة، فكانت مرحلة أخرى.


مرحلة تكوین الشخصیة

المقدم: قبل الوصول إلى انتصار الثورة، وكیف تمّ التعامل معها فی القطیف، نرید أن نبقى فی الأحساء والقطیف، فعندما كنتم تدرسون الدراسة الحوزویة، تحوّلت القطیف إلى حاضرة علمیة وبالخصوص بعد عودة العدید من القطیفیین الذین درسوا فی النجف الأشرف، وأثّروا لاحقًا فی الحركة العلمیة.

 


لشیخ فرج العمران كان فی طلیعة العلماء الذین تأثرتُ بهم، وكان عالم القطیف الأول على المستوى الشعبی.
بمن تأثرت فی تلك المرحلة طالما نتحدث عن التكوین، سماحة الشیخ؟

الشیخ الصفار: نعم، فی تلك المرحلة لم تكن هناك حالة علمیة حوزویة فی القطیف، وإنما فی مرحلة أسبق، حیث كان یطلق على القطیف ـ فی بعض الأحیان ـ النجف الصغرى، لأن فیها عددًا من الفقهاء والمجتهدین وبحوث الخارج، بینما فی المرحلة التی بدأتُ فیها دراستی، كانت مرحلة جفاف وأفول للحالة العلمیة داخل القطیف والأحساء، فما تتحدثون عنه من نشاط علمی وحوزوی هو ما نعیشه الآن هذه الأیام. فی فترة وجودی فی القطیف تأثرت بعدد من العلماء، واستفدت منهم، وكان فی طلیعتهم الشیخ فرج العمران، والشیخ عبد الحمید الخطی. الشیخ فرج العمران كان عالم القطیف الأول على المستوى الشعبی والاجتماعی، توفی سنة 1398ه = 1978م، كان قریبًا من الناس ومحبوبًا عندهم، وكان یبسّط المسائل الشرعیة بما یتناسب مع فهم الناس، وعمل كثیرًا على نشر الحالة الدینیة، عبر اهتمامه بإقامة صلاة الجماعة فی مختلف القرى، لدرجة أن بعض القرى التی لم یكن فیها علماء یقیمون صلاة الجماعة، كان (ره) یذهب بنفسه فی كل سنة إلى هذه القرى ویبقى فی كل قریة عدة أیام لیقیم بینهم ویؤمّهم فی صلاة الجماعة، فكانت له جولات سنویة على مختلف المناطق، شجّع الناس فیها على دفع الخمس والحقوق الشرعیة، كما شجعهم على إقامة المناسبات الدینیة، كإحیاء لیلة القدر وأمثالها.

هذا العالم تأثرتُ به كثیرًا، فكنت ـ وأنا ادرس فی الصف الرابع الابتدائی أی فی التاسعة من عمری ـ فی العطلة الصیفیة أذهب صباحًا إلى مجلسه وأقوم بالخدمة فی المجلس، فأقدم الماء والقهوة للحاضرین فی مجلسه، وكنت أستفید مما یطرح من المسائل الفقهیة فی إجابته للسائلین.

وقد امتاز هذا الشیخ بأنه اهتمّ بكتابة مذكراته، فكان یسجّل أی حادثة أو أمر یحدث له، فیكتب عن سفراته وعمّن یزوره ومن یلتقی معه، ویكتب عن الرسائل التی تأتی إلیه والأسئلة التی توجه له، وعمل من ذلك موسوعة تحت عنوان: «الأزهار الأرجیّة فی الآثار الفرجیّة»، طبع منها خمسة عشر جزءًا، وقد قرأتُ هذا الكتاب أكثر من مرة وتأثرت به كثیرًا؛ لأنه كان مدخلاً لأتعرّف ـ عن طریقه ـ إلى الحالة الدینیة فی العالم الشیعی بشكل عام. كما أننی استفدت من الشیخ فی أسلوب تعامله مع الناس، وفی تواضعه وإقباله علیهم، واستمرّ حضوری لمجلسه العامر سنتین أو ثلاث سنوات تقریبًا، فكنت أواظب على حضور مجلسه أثناء العُطَل الصیفیة، فتأثرت به كثیرًا، وكان هو أول عالم دینی تأثرت به فی حیاتی شخصیًّا (ره).

المقدم: هل تأثُّرك ـ سماحة الشیخ ـ ذهب باتجاه محدّد، إذ من الطبیعی أن تتأثّر بالطریقة التی كان یدرس فیها أو بطریقة إجابته أو بالدرجة العلمیة التی وصل إلیها، (الاجتهاد مثلاً)، هل كان هناك جانب محدّد اعتبرته جانبًا یجب أن یكون شیئًا من شخصیتك الدعویة اللاحقة وتوقفت عنده وتعمّقت فیه؟

الشیخ الصفار: أهم جانب استفدته من الشیخ هو تعریفی بالوسط الدینی، وتشجّعت من خلاله على الانخراط فیه، إذ قدَّم لی صورًا وانطباعاتٍ جاهزة عن المراجع والعلماء وخطباء المنابر وعموم الشخصیات الدینیة، لقد تعرفت إلى الفقه من خلال دروسه.

المقدم: سأكتفی فی هذه المرحلة القطیفیة إن جاز التعبیر سماحة الشیخ، لننتقل بعدها إلى النجف الأشرف، وإلى الشخصیة المتقدّمة التی تكوّنت، سأعود إلیها ولكن بعد التوقف عند فاصل قصیر.

[فاصل إعلانی]

المقدم: أعود إلیكم مشاهدینا لمتابعة هذه الحلقة من مراجعات مع سماحة الشیخ حسن الصفار. سماحة الشیخ، توقفنا قبل الفاصل عند تأثرك بعالِمین فی القطیف هما: الشیخ فرج العمران، والشیخ عبد الحمید الخطی، ربما كان هناك علماء آخرون ترید أن تذكرهم فی هذا السیاق قبل أن نتحول معك إلى النجف الأشرف والمرحلة الجدیدة التی فتحت فی طریقك العلمی والدعوی.

 


مؤلّفات الشهید الصدر أثارت انتباهی واهتمامی إلى بُعْد آخر غیر الثقافة الدینیة التقلیدیة.
الشیخ الصفار: من العلماء الذی تأثرتُ بهم فی القطیف الشیخ علی المرهون، وكان عالم المحلّة التی كنا نقطنها فی منطقة الدبّابیّة، ومسجدهُ قریب من بیتنا، فكنت أحضر صلاة الجماعة معه وأذهب مع والدی (ره) إلى مجلسه، وكان له مجلس خطابی فی لیالی شهر رمضان المبارك فی حسینیة (میّاس)، فی مجلسه تعرفت إلى معارف الدین؛ لأنّه كان یخصِّص كل لیلة لبحث موضوعٍ عقیدیّ، یبدأ بالأصول الخمسة كما هی فی المذهب الشیعی: التوحید، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد. وفی كل لیلة یتناول واحدة من هذه الأصول بلغة واضحة ومیسّرة ومقنعة، بعد ذلك ینتقل إلى فروع الدین، فیخصّص لیلة عن الصلاة وأخرى عن الصوم، وثالثة عن الزكاة، وهكذا بقیة فروع الدین، فاستفدت من مجلسه فی التعرف إلى المعالم والمعارف الدینیة، كما استفدت أیضًا من أخلاقه، وتواضعه، وتعامله مع الناس.

المقدم: هذا الأمر میّزه عن غیره من العلماء سماحة الشیخ، وبخاصّة اللّذَین ذكرتهما على الأقل؟

الشیخ الصفار: لم یكونا خطیبین (الشیخ فرج العمران والشیخ عبد الحمید الخطی)، بینما هذا العالم (الشیخ علی المرهون) كان خطیبًا، والخطابة كانت تعطیه فرصة أن یقدم هذه المعارف بطریقته الشعبیة الجماهیریة المقبولة والمقنعة.

كما أننی تأثرت ببعض الخطباء فی مجال سلوكی طریق الخطابة، ومن أبرز الخطباء الذین تأثرت بهم فی القطیف: الشیخ الخطیب عبد الحمید المرهون، فقد كان خطیبًا لامعًا فی المنطقة، وكنت أرتاح لأسلوبه فی طرحه للقضایا التاریخیة والاجتماعیة، بل كنت أتقمّص طریقته فی الطرح، فأحفظ الكثیر من الموضوعات التی یطرحها وأقلّده فی طرحها، ومن الخطباء الذین تأثّرتُ بهم أیضًا الشیخ سعید أبو المكارم، إذ كنت أتردّد على مكتبته العامرة، لأنه یملك مكتبة تُعَدُّ من أكبر المكتبات الخاصّة فی منطقة القطیف ببلدة العوامیة، وكذلك الخطیب السید هاشم المیر الصفوانی، هؤلاء عدد من الخطباء الذین تأثرت بهم فی بلدی القطیف.


الذهاب إلى النجف الأشرف

المقدم: سماحة الشیخ، كما نتحدث عن مرحلة البدایة، یهمّنا أیضًا الحدیث عن مرحلة التتمّة، إذ من المهم الحدیث عن أولئك الذین تأثرت بهم لیس فقط فی البدایات إنما استمر تأثرك بهم سواء على مستوى مدرستهم الدینیة أو على مستوى الخطابة، فعندما ذهبْتَ إلى النجف الأشرف لا بدّ أنها كانت محطّة مهمّة فی حیاتك، فالنجف كانت تعیش مرحلة علمائیة متقدِّمة إذا جاز القول، حیث سماحة السید محسن الحكیم (ره)، والسید أبو القاسم الخوئی (ره)، والسید محمد باقر الصدر (ره).. ماذا أضاف هؤلاء السادة العلماء لشخصیتكم؟

الشیخ الصفار: ذهبت إلى النجف الأشرف بعد وفاة الإمام السید محسن الحكیم (ره)، وكانت قد بدأت زعامة ومرجعیة المرجع السید أبو القاسم الخوئی، وكنتُ وقتها فی الرابعة عشر من العمر، وكان هناك مجموعة من الطلاب والفضلاء من القطیف والأحساء الذین كانت أكثر علاقاتی فی وسطهم الطلابی، ولكننی كنت أتردّد وأحضر بعض مجالس العلماء والفقهاء وأستفید مما یطرح فی تلك المجالس، فمما هو معلوم أن طالب العلم حینما یأتی إلى الحوزة العلمیة، یبدأ بدراسة المقدّمات، ویحتاج إلى فترة من الزمن حتى یصل إلى مستوى البحث الخارج ویحضر عند الفقهاء المراجع، لكن للمراجع والفقهاء مجالس مفتوحة، بعضها یومیة، وبعضها الآخر مجالس أسبوعیة، ویكون هناك مجال لطلاب العلم أن یأتوا إلى هذه المجالس لیلتقوا مع المراجع بشكل مباشر ویسألوهم ویستفیدوا من كلامهم، ولكنی حینما كنت متواجدًا فی الحوزة النجفیة استفدت من الوسط القطیفی والإحسائی الموجود فی النجف بالدرجة الأولى.

المقدم [مقاطعًا]: لكن المراجع الذی ذكرناهم سماحة الشیخ..

الشیخ الصفار: كان السید الخوئی، وكان السید الشاهرودی، وكان الشهید محمد باقر الصدر، وكان عدد من العلماء الكبار والفقهاء الموجودین فی الحوزة العلمیة، وكنت أحظى بزیارتهم والدخول علیهم، وقد لفت نظری فكر الشهید السید محمد باقر الصدر، فهو ـ كما تعلمون ـ یمتاز عن بقیة الفقهاء ـ فی عصره ـ بأن لدیه أطروحات فكریة معاصرة، فقدّم: «فلسفتنا»، و«اقتصادنا»، و«البنك اللاربوی»، و«الأسس المنطقیة للاستقراء»، وهذه الكتب أثارت انتباهی واهتمامی إلى بُعْد آخر غیر الثقافة الدینیة التقلیدیة التی جئتُ بها من القطیف، فكان لدیّ حرص أن أدرس فكر السید محمد باقر الصدر منذ ذلك الوقت.

المقدم: فی هذه المرحلة ـ سماحة الشیخ ـ نتحدث عن النجف الأشرف فی بدایة السبعینیات، حیث كان النجف الأشرف یضجُّ بالحركة العلمیة، وربما إلى جانبها السیاسیة أیضًا، وذلك من خلال الموضوعات التی كانت تطرح، ومن خلال كبار المرجعیات ـ الذین أشرت إلیهم الآن ـ، وكان هناك بعض الأحزاب الإسلامیة الشیعیة التی تأسست، حیث كانت السیاسة ـ على كل حال ـ منطقة محرّمة, أولًا كیف تعاملت مع هذا المناخ، وأنت الآتی من مدرسة دینیة إلى حدٍّ ما محدودة بهذا الشكل، حیث كنتم تشاهدون العدید من رجال الدین یقتادون إلى معاقل السلطة فی تلك الحقبة لقیامهم بالشأن السیاسی؟

 


طلبة العلوم من مختلف المناطق فی الحوزات العلمیة یصبحون أُسارى للجالیة الموجودة هناك.
الشیخ الصفار: أودّ هنا أن أشیر إلى أن من المشاكل التی یعانیها طلبة العلوم من مختلف المناطق فی الحوزات العلمیة أنهم یصبحون أُسارى لأبناء مناطقهم، وللمحیط أو للجالیة الموجودة هناك، فحینما یذهب طالب العلم من القطیف ـ مثلاً ـ، أو من البحرین أو من الأحساء إلى النجف أو إلى قم، فإنه من الطبیعی أن یكون هناك من سبقه من منطقته، وهم أكبر منه سنًّا، وهؤلاء یصنعون جوًّا معینًا فیما بینهم، بحیث یستوعبون أیّ قادم جدید من منطقتهم، وغالبًا ما یصبح هؤلاء الطلاب محكومین بجوّ الجالیة الموجودة هناك, الجالیة القطیفیة كانت حریصة على الابتعاد عن أی أمرٍ سیاسی, وكانو یحذرون الطالب الجدید من الاقتراب إلى ما یرتبط بالسیاسة.

المقدم: هل كان ذلك بدافع الخوف من الاضطرار إلى العودة إلى البلد وما یمكن أن تثیره هذه الأمور من نتائج سلبیة؟

الشیخ الصفار: كان ذلك خوفًا من تأثیراته علیه فی النجف إذا اقترب من السیاسیین ومن الجهات السیاسیة، إذ یمكن أن یعتقل، بفعل السلطة الحاكمة فی العراق آنذاك، حیث كانت تراقب النشاط الطلابی، فمن كان منهم متصلًا بالجهات السیاسیة ـ مثل حركة الشهید السید محمد باقر الصدر ـ، أو مقترباً من حزب الدعوة، كانت تسلط علیه الأضواء.


التأثّر بالإمام الخمینی (ره)

المقدم: هل اعتقل الكثیر من الطلبة؟

الشیخ الصفار: اعتقل عدد من الطلبة اللبنانیین وعدد من القطیفیین من وسط البیئة العلمیة القطیفیة فی النجف الأشرف، ولذلك كنتُ كأیّ طالب قادم إلى النجف آخذ هذا الأمر بعین الاعتبار، فما كنت أقترب من الأجواء السیاسیّة.

وهنا أودّ الإشارة إلى أمرین مهمّین، هما:

الأمر الأول: أنّ أحد الطلاب القطیفیین ـ وهو الشیخ عبد الجلیل بن مرهون الماء،  من جزیرة تاروت، وكان قد سبقنا إلى النجف، وله اهتمام أدبی، وقد توفی (ره) مؤخّرًا ـ كان منفتحًا على حركة الإمام الخمینی أیامَ تواجده (قده) فی النجف، فی الوقت الذی كُنَّا نُحذَّر من الذهاب إلى بیته باعتبار الأجواء السیاسیة السائدة وقتها، إذ من الممكن أن تتسبّب هذه الزیارات فی إحداث بعض المشاكل.

المقدم: تُحذَّرون مِنْ قِبَلِ مَنْ؟

الشیخ الصفار: من قِبَل بیئتنا القطیفیة، فی هذا الوقت كان الشیخ عبد الجلیل الماء یتواصل مع بیت الإمام الخمینی (ره) فی النجف، فكان یأتی لنا ببعض الكتیبات وبعض البیانات، وأتذكر أننی اطّلعتُ على كتاب الحكومة الإسلامیة للإمام الخمینی ـ وكان یطبع على شكل أجزاء (فی خمسة أجزاء) ـ عن طریقه.

وقد لفتت نظری هذه الأطروحات التی قرأتها فی كتاب الإمام الخمینی، ما دفعنی أن أطلب منه أن یأخذنی معه إلى بیت الإمام، وكان ذلك أول لقاء تعرفت به إلى الإمام الخمینی، وكنت وقتها فی بدایة توجهی الدراسی، وقد كان ذلك فی بیته فی النجف الأشرف، وأنا تعرفت والتقیت مع الإمام، ولكنی كنت كأی طالب من الطلبة الذین یأتون إلى مجلسه ویستفیدون من وجوده (ره)، ومن هذه اللحظة بدأت أنتبه إلى شیء آخر وبعد آخر فی الحوزة النجفیة، وهو أن هناك من الفقهاء من یتبنون اهتمامات غیر تلك الاهتمامات التقلیدیة، ومن أبرزها الاهتمامات السیاسیة.

أما ما قادنی إلى الشهید الصدر هو طرحه الفكری المتنوّر، ولذلك أقبلتُ على دراسة «فلسفتنا» و«اقتصادنا»، وأنا لم أدرسهما على ید عالم، إنما أخذت الكتابین، وكنت أقرأ فیهما، وطلبتُ من بعض الفضلاء أن یسمحوا لی بأن آتی إلیهم كی یشرحوا لی بعض المصطلحات وبعض الأفكار الموجودة فی الكتابین التی قد لا تكون واضحة لی بالقدر الكافی.

المقدم: سماحة الشیخ، ربما تجاوزنا ما له علاقة بالملاحقات والاعتقالات التی كانت تحدث للطلبة، وأنت قد أشرتَ إلى هذه النقطة، فذكرتَ أن من بینهم لبنانیین، وعراقیین، وقطیفیین، هل أنتم من خلال التجربة ـ لأن المراجعة هی معكم ـ كنتم تشعرون یومًا مّا أنكم مراقبون من هذه السلطة فی بلادكم، وأنكم ـ ربما بعد العودة، بسبب الظروف السیاسیة فی النجف ـ تكونون فی دائرة مَن یُحاسب؟ هل كان هذا الشعور یصاحبكم، وأنتم فی النجف الأشرف، وبالخصوص أن سلطة البعث فی تلك المرحلة هجّرتْ عشرات الآلاف من العراقیین من أصول إیرانیة إلى إیران؟ هل كنت تخاف أن یصلك الدور بهذا المعنى؟


الاعتقالات فی النجف لطلبة العلوم الدینیة

الشیخ الصفار: لم أكن أشعر بهذا الهاجس، والسبب فی ذلك أننی كنت أنتمی إلى جالیة تعیش نوعًا من الاستقرار والحمایة، فالسلطات (مخابرات النظام العراقی) كانت تنظر إلى الجالیة القطیفیة والأحسائیة أنها جالیة بعیدة عن الاهتمامات السیاسیة، ولذلك ما كانت الأضواء مسلّطة علینا كجالیة، هذا أولًا، وثانیًا: لأنی كنت صغیرًا فی السن، وما كان لی دور باز أو واضح، وأجهزة المخابرات إنما تتعقب العناصر التی لها بروز ولها فاعلیة.

المقدم: لكن لنتحدث عن الطلبة القطیفیین تحدیدًا ـ وأنتم منهم ـ، هل كانوا بدائرة المراقبة والمتابعة؟

الشیخ الصفار: آنذاك لم یتمیز هذا الأمر فی السنتین اللّتین كنت فیهما فی النجف، لكن فیما بعد حصلت إشكالیة بالفعل، واعتقل بعض الطلبة من الجالیة القطیفیة، وقد انهاروا تحت التعذیب، وطلب منهم أن یعترفوا أن معهم أشخاصاً آخرین وأنهم على اتصال بالسفارة السعودیة، وأن لدیهم اهتمامات سیاسیّة ضد الحكومة فی العراق، وأنهم على صلة مع حزب الدعوة ومع حركة الشهید الصدر، فبدأتْ حملة اعتقالات فی أوساط الطلبة القطیفیین، وكنتُ وقتها متواجدًا فی القطیف للمشاركة فی موسم عاشوراء وصفر، ووصلتنی الأخبار أن هناك اعتقالات فی النجف.

المقدم: نجوتَ من الاعتقال، إذ كان من الممكن أن یطولك الأمر لو كنت موجودًا؟

الشیخ الصفار: كان ذلك ممكنًا، ولربما خسرت تجربة كان من الممكن أن یستفاد منها. وبسبب هذه الأحداث عزمتُ مع عدد من الطلاب، ألا نعود بعد شهر صفر لنستأنف دراستنا فی النجف، وتوجَّهْنا بدلاً من ذلك إلى إیران، إلى الحوزة العلمیة فی قم.

المقدم: هنا أدخل معك إلى الانتقال إلى قم، فالنجف یبدو أنها لم تشبع طموحك، فاضطررتم إلى الانتقال إلى الحوزة القمّیة؟

الشیخ الصفار: على العكس من ذلك، فأجواء النجف أجواء جاذبة، فمن یعیش فیها لا یسهل علیه أن یخرج منها.

المقدم: توجهتم إلى قم، حیث كانت معالم حوزتها تتشكل على ید السید البروجردی، أولًا: أنتم تأتون إلى قم من بحر النجف الأشرف، هل شكّلت لكم هذه المحطة تجربة جدیدة مختلفة عن تجربة النجف الأشرف، أم هی استكمال لحوزة النجف الأشرف؟ وهل التقیتم فی قم مع كبار العلماء؟


الانتقال إلى حوزة قم المقدسة

الشیخ الصفار: انتقلت إلى قم، وكان هناك جالیة قد انتقلت من الطلاب العرب من العراقیین من أصول إیرانیة، وكذلك عدد من المشایخ اللبنانیین، وأذكر من الجالیة اللبنانیة: الشیخ عبد الأمیر شمس الدین، والسید جعفر مرتضى، والشیخ حسین الكورانی، وغیرهم، وبالإضافة إلیهم كان هناك بعض طلبة العلم من البحرین محدودی العدد، إضافة إلى المجموعة التی جاءت من القطیف، إذ كنا حوالی خمسة عشر إلى عشرین جئنا من القطیف، وأصبحنا ندرُس فی الحوزة العلمیة فی قم، ولأن بیئة قم كانت بیئة جدیدة علینا، وكان هناك فاصل لغوی، فما كنا نعرف اللغة الفارسیة إلا بعدما اضطررنا إلى تعلمها.

المقدم [مقاطعًا]: لم تكن إلزامیة، لكن حتى تتواصلوا مع الآخرین؟

الشیخ الصفار: نعم، كان تعلُّم الفارسیة اختیاریًّا، لكنی وجدت نفسی محاطًا بالبیئة العربیة فی قم، وهی البیئة التی كانت ـ أیضًا ـ تفصلنی عن التواصل والتفاعل مع المحیط الإیرانی والاستفادة منه، وهو ما شعرت به لاحقًا.

وفی قم كانت هناك مؤسسة دینیة یدیرها السید شریعتمداری، وهو العالم الذی لم یكن مصنفًا فی ذلك الوقت ضمن الخط الحركی والثوری، بل على العكس، إذ كانت له صلات وعلاقة مع نظام الحكم الشاهنشاهی فی إیران، لتسییر أمور الحوزة ضمن قناعته، وكان الطلاب اللبنانیون والعراقیون من جذور إیرانیة ضمن هذه المؤسسة (دار التبلیغ الإسلامی).

المقدم: هل هذا كان یتعارض مع توجهاتك ومبادئك وأنت الذی تعرفت إلى الإمام الخمینی (ره) فی النجف الأشرف؟

 


أجواء النجف جاذبة، فمن یعیش فیها لا یسهل علیه أن یخرج منها.
الشیخ الصفار: كنت أتلقى تحذیرًا هناك بألَّا تتكرر المشكلة التی حصلت فی النجف، وأن ما یجب أن نتوجّه إلیه هو أن نهتم بدراستنا الحوزویة، وألا نختلط بالإیرانیین وبالتیارات والاتجاهات السیاسیة الموجودة فی وسطهم، ولكنی ـ حینها ـ كنت منفتحًا على بعض العراقیین الحركیین، إذ كان هناك عراقیون منتمون لمنظمة العمل الإسلامی، أو حركة السید الشیرازی فی كربلاء، وكان لهؤلاء انشداد لحركة الإمام الخمینی؛ لأن الإمام الخمینی حینما جاء إلى العراق استُقبِلَ فی كربلاء من قبل السید الشیرازی استقبالًا حافلًا، فكان للكربلائیین ـ آنذاك ـ نوع من الانشداد ـ وبخاصة لدى شبابهم ـ إلى حركة الإمام الخمینی، وعبر هؤلاء كان لدیّ مجال للانفتاح ومتابعة أخبار الحركة القائمة فی إیران آنذاك، فكانوا یوصلون لی ویطلعونی على بعض الخطابات الجدیدة التی كانت تصدر من الإمام الخمینی فی النجف، وكانوا یوصلون لی بعض كتب الدكتور علی شریعتی، وبعض كتب الشهید مطهری، فكنت ـ عبر هذه العلاقة مع هؤلاء الكربلائیین العراقیین ـ أتابع وأواكب حركة الإمام الخمینی، لكن فی الخفاء، لأنّ الجوّ الذی كنت أعیش فیه ما كان یسمح لی بان أتظاهر بهذا الشیء من الاهتمام والعلاقة.

وفی قم استفدت أیضاً من العلماء الذین هم تلامذة لمدرسة الشهید الصدر..

المقدم: جیّد، هل كان لدیكم مقاربة ـ إذ ربما الظرف وقتها لم یكن كافیًا حتى تجرون هذه المقاربة ـ بین تجربتكم فی النجف الأشرف، وبین التجربة التی استجدت فی قم؟ هل كنتم تقیمون هذا التوازن بین التجربتین أم أنهما تجربتان مختلفتان؟

الشیخ الصفار: بالنسبة لی كانت التجربة فی النجف أثرى من التجربة فی قم؛ لأن الأجواء الأدبیة والثقافیة التی كنت أتفاعل معها فی النجف كانت تثری تجربتی وتفیدنی، ولكن فی قم لم أكن قادرًا على التفاعل مع الأجواء الفارسیة الإیرانیة، والوجود العربی كان جدیدَ التكوُّن، ولكنّی استفدت من تلامذة مدرسة الشهید الصدر، حیث كانوا متواجدین هناك، مثل: سماحة الشیخ محمد علی التسخیری، والشیخ محمد سعید النعمانی، والشیخ حسین الكورانی، الذین استفدت منهم، فكانوا یدرسون حلقات الشهید الصدر وكتب وأفكار الشهید الصدر، وكانت هناك مجلة اسمها مجلة الهادی یكتبون فیها مواضیع فكریة وثقافیة، وكنا نتعاون معهم، بل كنْتُ من المبادرین لإقامة احتفالات خاصة بالطلاب العرب فی المناسبات الدینیة، إذ كنا نقیم احتفالات وتلقى كلمات فی المناسبات الدینیة، وأثْرَتْنی فترة قم بالانفتاح الفكری على توجهات حزب الدعوة وعلى مدرسة السید الشهید محمد باقر الصدر.

المقدم: بالطبع ستكون لنا محطة خاصة وموسعة أكثر فی قم وتأثركم ثم نختمها بالعودة إلى السعودیة إلى القطیف، لكن بعد قم كان لكم زیارة إلى حوزة الرسول الأعظم فی الكویت، التی لم یكن فیها حوزة علمیة مشهود لها، ولكنكم التقیتم هناك بالسید محمد الشیرازی، هل هو الذی دفعكم إلى الانضمام إلى منظمة العمل الإسلامی وكان له تأثیر فی هذا الأمر ومن ثَمّ أطْلَلْتم لاحقًا على انتصار الثورة الإسلامیة وكوّنتم فكركم الذی حمل بعض معانیها؟ هل یمكن أن نقول ذلك؟


إلى الكویت ما بین الخطابة والعودة المؤجلة

الشیخ الصفار: ذهبت إلى الكویت خطیبًا، وهناك تعرفت إلى ٍالمدرسة الدینیة التی أسسها المرجع السید محمد الشیرازی، الذی كان قد نزح من كربلاء العراق إلى الكویت وأقام مدرسة دینیة هناك، وقد انفتحتُ على هذه المدرسة فی البدایة كمجرد انفتاح وعلاقة، كما انفتحتُ على بقیه العلماء فی الكویت، إذ كان یقیم فی الكویت حینها سماحة الشیخ على الكورانی، وكنت أذهب إلیه وكان یحضر بعض مجالسی، وكنت أستفید من أفكاره وتوجیهاته وكان هناك المیرزا حسن الحائری، وهو مرجع المدرسة التی یطلق علیها بالمدرسة الشیخیّة.

المقدم: السلام علیكم، نحییكم مشاهدینا، لنرحِّب مجدّدًا بالعالم والمفكِّر السعودی الشیخ حسن الصفار، ولنواصل معه الجزء الثانی من مراجعات.

فی الحلقة الأولى، توقفنا عند المحطّات البارزة التی كانت له، سواء فی القطیف أو فی النجف الأشرف، ثم فی قم، وصولًا إلى الكویت، التی لم نعطِها حقها، ولربما فی هذا الجزء سنعطی الكویت حقها، لنعودَ بعدها إلى إیران ما بعد انتصار الثورة الإسلامیة، فالعودة إلى القطیف.

سماحة الشیخ، نرحب بكم، لكن قبل أن أبدأ فی المحطات التی یفترض أن نناقشها فی هذه الحلقة، لنتوقفْ مع هذا التقریر الخاص بأبرز المحطات الواردة، التی سنناقشها معكم مع هذا التقریر، ثم نفتح الحوار.

التقریر: بعد انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران عام 1979م، أعلن الشیخ حسن الصفار تبنّیه لها ولخطابها وبخاصّة بعد اطلاعه على كتاب الإمام الخمینی (ره): الحكومة الإسلامیة، وكانت خطبه الصارخة فی القطیف تدعم خط الثورة، ما عرّضه إلى مضایقات دفعته إلى الهجرة إلى الجمهوریة الإسلامیة فی إیران، واستأنف نشاطه هناك مع منظمة العمل الإسلامی محاضرًا وخطیبًا وداعیًا إلى نصرة الثورة الإسلامیة، هذا الموقف العلنی والصریح جعله مطلوبًا فی بلده، فتوجّه إلى سوریة وأقام فی جوار مقام السیدة زینب  فی دمشق، وأكمل مساره العلمی والتعلیمی والتألیفی هناك.

وعندما شنّ العراق حربه على الكویت طَلَبَ من أتباعه فی القطیف والأحساء وباقی المناطق فی المملكة العربیة السعودیة وخارجها ضرورة تعلیق النشاط السیاسی المعترض للتهیؤ للذود عن الوطن الذی تُهدِّدُهُ الأخطار، هذا الموقف جعل الملك السعودی الراحل فهد بن عبد العزیز، یتواصل معه عبر مبعوثین، وقد أدّت هذه القناة المفتوحة إلى عودته إلى وطنه.

وعندما استقرّ فی القطیف ظلّ الشیخ الصفار یطالب بحقوق المسلمین الشیعة ومبدأ المساواة والتقریب بین المذاهب الإسلامیة، وانضم إلى الحوار الوطنی الذی رعاه ولی العهد آنذاك الملك الحالی عبد الله بن عبد العزیز على قاعدة شركاء فی الوطن، والشیخ الصفار الذی رعى منظمة الثورة الإسلامیة فی الجزیرة العربیة، ثم الحركة الإصلاحیة بات الیوم مؤمنًا بضرورة انخراط شیعة السعودیة فی العمل الوطنی عن طریق الحوار، بدل العنف الذی ابتلی به بعض المسلمین، هذه المواقف وغیرها جعلته محطّ احترام واسع فی المملكة العربیة السعودیة وما زال یواصل مسیرته على هذا المنوال.

المقدم: سماحة الشیخ، نرحب بكم من جدید فی الجزء الثانی من مراجعات معكم. وكما قدّمنا، قبل أن نتحول إلى إیران من جدید بعد انتصار الثورة الإسلامیة، توقفنا سریعًا فی الحلقة الأولى عند محطات القطیف والنجف الأشرف ثم قم، وصولًا إلى الكویت، التی لم نعطِها حقها، فتحدثنا سابقًا عن لقائكم أو تأثركم بالمرجع السید الشیرازی والمرحلة اللاحقة المرتبطة بموضوع إیران.

الشیخ الصفار: ذهبتُ إلى الكویت خطیبًا، وكنت مدعوًا من قبل الإخوة الأحسائیین الموجودین فی الكویت، وكان هناك مرجعهم الدینی المیرزا حسن الحائری (ره) الذی یعدُّ مرجع المدرسة التی یطلق علیها المدرسة الشیخیّة، مدرسة الشیخ أحمد زین الدین الأحسائی.

 

حینما انفتحت على مدرسة الرسول الأعظم  فی الكویت، وجدت فیها ما كنت أبحث عنه.
هناك انفتحتُ على هذا الرجل واقترح علیَّ أن أدرس فی الحكمة وفی مقامات أهل البیت ، وبالفعل كنت أدرس على یدیه یومیًّا فی هذا المجال كتاب «المخازن واللمعات»، وهناك انفتحتُ أیضًا على سماحة الشیخ علی الكورانی الذی كان یقیم فی الكویت، وكان من رواد النشاط الدینی والصحوة الدینیة فی الوسط الشیعی فی الكویت، وكنت أزوره وأستفید من آرائه، فكان یشجعنی فی توجهی الخطابی، وبخاصّة أن عمری كان فی السادسة عشر أو السابعة عشر.

وانفتحت هناك على مدرسة السید الشیرازی، الذی جاء إلى الكویت من العراق بعد أن مورست ضدّه الضغوط وأصبحت حیاته فی خطر من قبل النظام العراقی، ما اضطرّه إلى الهجرة إلى الكویت عام 1392هـ، وفی الكویت بنى مدرسة أطلق علیها مدرسة الرسول الأعظم ، كان فیها عدد من العلماء والفضلاء والطلبة، وقد تعرفت إلى هذه المدرسة، وكانت لدیَّ معرفة سابقة بحركة السید الشیرازی فی كربلاء.

وحینما انفتحت على هذه المدرسة، وجدت فیها دروسًا جیدة وأجواءً منفتحة، وكأنی وجدت فیها ما كنت أبحث عنه، إذ وجدتها حوزة من نوع آخر، فیها تجدید فی المناهج والأفكار واهتمام بمشاكل الأمة، وفاعلیه عملیة واجتماعیة، لذلك فكرت أن أنتقل إلیها وألَّا أعود إلى قم، إذ كان من المفترض أن أعود بعد الموسم، لكنی حینما رأیت وضع المدرسة قرّرتُ البقاء، وما شجعنی على ذلك أنها بالقرب من القطیف، بحیث یكون بإمكانی أن أذهب إلى القطیف فی المناسبات الدینیة، فصممت على البقاء فی الكویت، كما أننی حاولتُ أن أقنع بعض الأخوة الراغبین بالدراسة الدینیة من القطیف بأن یلتحقوا معی فی الدراسة فی هذه الحوزة، وبالفعل جاءوا معی، فأصبحنا مجموعة فی الكویت استفدنا كثیرًا من مدرسة السید الشیرازی، وكنا نحضر دروسه وكان یفیدنا جدًا بما یبثُّه فینا من همّة عالیة.

المقدم: ما درستموه فی حوزة الرسول الأعظم  كان مختلفًا عن الدروس التی تعلمتموها على ید مراجع كبار مررنا بذكرهم فی النجف ثم قم، من حیث التوجه؟

الشیخ الصفار: نعم، فأنا ـ فی النجف وقم ـ لم أكن فی مستوًى یؤهلنی الحضور إلى دروسهم، ومن ثمّ لم أكن على تماسٍّ مباشر معهم، أما فی الكویت كانت المسألة مختلفة، فكانت هناك فرصة التواصل مع السید الشیرازی مباشرةً، وكان یهتمّ بكل الطلاب الموجودین، وأهمّ شیء هو ما كان یعطینا من روح التطلُّع والطموح والاندفاع.

وبالإضافة إلى السید الشیرازی، استفدنا من آیة الله السید محمد تقی المدرسی، الذی هو الآن أحد العلماء المراجع فی العراق، وكان ـ حینها ـ الزعیم المباشر لمنظمة العمل الإسلامی، وكان موجودًا فی الكویت، حیث استفدنا من دروسه فی تفسیر القرآن الكریم وفی الفكر الإسلامی والثقافة الإسلامیة، إضافةً إلى الدروس الفقهیة والأصولیة واللغویة التی كنا نتلقاها فی المدرسة.

لقد استفدت كثیرًا من مدرسة السید الشیرازی والأجواء التی كانت موجودة فی الكویت. وأثناء وجودی فی الكویت جاء الإمام السید موسى الصدر لزیارة الكویت، واحتفى به الشیعة والسید الشیرازی وباقی العلماء، وكانت المرّة الأولى التی ألتقی به وأسمع خطابه بشكل مباشر، ثم ذهبتُ مع بعض المشایخ لجلسة خاصة معه، وكان ذلك فی بدایة أوج حركته وعطائه، جلسنا معه فی جلسة خاصّة تحدث فیها عن وضع الشیعة فی المملكة، والقطیف والأحساء وشجّعنا على الاهتمام العلمی والثقافی وعلى الانفتاح، وهذه أجواء عزّزت عندی التوجه الحركی والاهتمام بالشأن السیاسی، فاستفدت كثیرًا من هذه المرحلة فی الكویت.

المقدم: سماحة الشیخ، الغوص فیما استفدت من المحطات البارزة لربما یأخذ منّا ساعات وساعات، ولكن حتى نغتنم فرصة وجودكم معنا لنتحدث فیها عن تجربتكم العامّة، فقد ذكرتَ أنك كنت ترید أن تبقى فی الكویت بعد ارتباطك بالمرجع السید الشیرازی ومدرسة الرسول الأعظم . لكن لأبدأ معك الحدیث عن انتصار الثورة الإسلامیة فی إیران، فهذا الأمر حتَّم علیكم العودة بشكل أو بآخر إلى قم، وبخاصّة أنك قد تعرفت إلى الإمام الخمینی (ره) فی النجف الأشرف، وهو ما حصل لاحقًا، إذ ذهبتم ودعمتم الثورة فی إیران، فكنتم الأقرب لمبادئها وإلى علمها وثورتها، وكانت لكم العدید من المحاضرات المتنقلة فی إیران، فی: قم وطهران ومشهد وأصفهان وغیرها، لقد دعمتم الثورة بشكل واضح وعلنی، ماذا شكّلت لكم هذه المرحلة؟


بعد انتصار الثورة فی إیران

الشیخ الصفار: إذا كانت معرفتی بحركة الإمام الخمینی (ره) فی النجف معرفة محدودة، وذلك عبر الاطلاع على كتابه الحكومة الإسلامیة، فإنی فی الكویت توثقت علاقتی به من خلال المنشغلین والعاملین فی مجال الثورة الإسلامیة، حیث كان یأتی بعض الأشخاص ـ مثل الشیخ الشهید محمد منتظری ابن آیة الله العظمى الشیخ منتظری ـ إلى الكویت فی كل سنة تقریبًا، فیلتقی بنا فی جلسات مطولة، ومنه بدأنا نهتمّ بتفاصیل ما یجری فی إیران بخصوص حركة الإمام الخمینی.

 

استفدت كثیرًا من مدرسة السید الشیرازی بما یبثُّه فینا من روح التطلُّع والطموح والاندفاع.
وفی هذه الفترة انتقلت إلى القطیف من الكویت، حیث بدأتُ أمارس نشاطی الدینی والثقافی والاجتماعی، وحینما انتصرت الثورة الإسلامیة فی إیران كنتُ موجودًا فی القطیف، وكنت قد بدأتُ عملی الاجتماعی، فكونّا تیارًا أو تجمعًا من أبناء الشیعة فی القطیف من المتوثبین للعمل والطامحین للتحرك، الذین كانوا یریدون تغییر الأوضاع السائدة فی داخل المجتمع وتحسین ظروف علاقتهم مع الدولة والحكومة السعودیة، فحینما انتصرت الثورة الإسلامیة، أعطتنا دافعًا من الحماس، وهو الدافع الذی جعلنا نفكر بأن نبدی تفاعلًا مع انتصار الثورة، وبخاصة بعد الأحداث التی حدثت فی طهران واحتلال الطلاب الجامعیین للسفارة الأمریكیة والتفاعلات التی أعقبتها.

بعد ذلك جاء موسم عاشوراء سنة 1400ه ـ 1979م، وهو موسم یعنی الشیء الكثیر فی منطقتنا، ففكرنا مع الإخوة الذین كانوا معی ـ مثل الدكتور توفیق السیف ـ الذی كان آنذاك عالمًا دینیًّا ـ والشیخ فوزی السیف والشیخ یوسف المهدی والشیخ محمود السیف والشیخ موسى أبو خمسین من الأحساء وآخرین ـ أن نفعّل الاستفادة والعلاقة مع ما یجری فی إیران، فقررنا أن نخصِّص خطاباتنا فی موسم محرم من أجل إیجاد روح حماسیة حركیة عند الجمهور.

وقد كان هذا ـ سابقًا ـ مجرّد حدیث فی الجلسات المغلقة، ولم یكن مكشوفًا، إذ كانت لدینا جلسات مع مجامیع من الشباب، نتكلم معهم فیها عن الأفكار الحركیة والروح الثوریة، وضرورة التغیر والإصلاح، فقررنا فی موسم المحرم أن نجهر بهذه الآراء على المستوى العام.

المقدم: أنا سأبقى فی موضوع إیران سماحة الشیخ تحدیدًا حیث أقمتم هناك، وكنتم تنظمون لإقامة ودراسة القطیفیین والأحسائیین انطلاقًا من الأجواء التی سادت بعد الثورة، وكذلك انطلاقًا من وجودكم فی القطیف وتأثّركم بالثورة وقدومكم إلى إیران، وكنتم فی الوقت ذاته فی منظمة العمل الإسلامی التی لم نأتِ علیها كثیرًا، لكن هذا الأمر حصل بعد وجودكم فی الكویت وتأثركم بالمرجع السید الشیرازی، فكیف تم ذلك؟ ما الذی استطعتم أن تحققوه، وبالخصوص للطلبة القطیفیین والأحسائیین فی إیران؟


الهجرة الثانیة إلى إیران

الشیخ الصفار: بعد هذا التحرك الذی حصل سنة 1400ه فی القطیف وجهرِنا بالأفكار الحركیة الثوریة، خرجت مسیرات من الشباب كمواكب عزاء، ولكنها كانت ترفع شعارات سیاسیة، وكان هذا لأول مرّة فی القطیف، فلم تقبل الدولة بمثل هذا التصرف، وعَدَّت هذا إخلالًا بالأمن وتجاوزًا للحدود، وبخاصة أن الأجهزة الأمنیة كانت مستنفرة بسبب حركة جهیمان فی مكة آنذاك، إذ كانت فی الوقت نفسه تقریبًا، فجاءت قوات وحاصرت منطقة القطیف، وحصل إطلاق للنار، واستشهد مجموعة من الشباب، وحصلت اعتقالات، فاعتقل العشرات بل المئات من الشباب آنذاك، وهنا بدأنا نعیش جوًّا آخر، إذ انتقل المجتمع إلى مرحلة الصدام والمواجهة مع أجهزة الدولة آنذاك، وهو ما جعلنا نفكر بأن یهاجر بعض الأشخاص الذین یواصلون هذا التحرك الحركی الثوری إلى إیران، فهاجرتُ مع عدد من الإخوة إلى طهران، وهناك أصبح أمامنا المجال مفتوحًا من خلال الإذاعة العربیة فی طهران.

وهنا أرید أن أقول شیئًا للتاریخ، وهو أن الإیرانیین لم یكونوا هم الذین شجعونا على هذا التحرك السیاسی الثوری أو حرضونا علیه أبدًا، بل بالعكس نحن من ذهبنا إلى إیران وكنا نهتم بتشجیع المسؤولین الإیرانیین أن یدعموا تحررنا، وهم ما كانوا بوارد أن یدعموا أی تحرك سیاسی أو معارض ضد المملكة العربیة السعودیة، فالثورة كانت فی بدایتها.

المقدم: إذًا كان هذا التحرك نتیجة الثورة الإسلامیة، لنتحدثْ بصراحة، هل ولّدت الثورة الإیرانیة فی نفوسكم شیئًا مختلفًا؟

الشیخ الصفار: نعم، نتیجة تفاعلنا مع الثورة حصل هذا التوجه وتفاعل الناس مع هذه الأحداث، وما یسمعونه من إذاعة طهران العربیة من الإنجازات والانتصارات التی تحققها الثورة، ولم یكن هذا خاصًّا بنا، ذلك أن مختلف الشعوب الإسلامیة تفاعلت مع الثورة الإسلامیة فی إیران، ومع ما كان یجری فیها من أحداث.

المقدم: هنا یدخلنا الأمر فی مسألة تتعلق بشخصكم وحركتكم سماحة الشیخ، فقد ذكرتم قبلًا أن السلطات السعودیة لم تكن بوارد أن تراقب أحدًا، لأن الدراسة الدینیة فی إیران كان لها علاقة بالشرع والعلم والدعوة، ومن ثَمَّ ستعودون إلى القطیف معمّمین تقومون بدوركم الدینی التقلیدی، ولكن المشكلة بدأت بعد انتصار الثورة وبعد مجیئكم إلى إیران، هل تعتقد أن نظرة السلطات السعودیة تغیرت نتیجة ما حصل فی القطیف؟ لنتحدث عن هذه النقطة.

الشیخ الصفار: هنا دخلت العلاقة بین الشیعة والحكومة السعودیة مرحلة جدیدة، فما حصل فی القطیف والأحساء ـ لأن الأحساء حصلت فیها مسیرات أیضًا، ووقع فیها جرحى واعتقالات ورفعت هناك شعارات على الجداران ـ حیث أوجد هذا أمرین مهمّین، هما:

 

شجّعنا الإمام موسى الصدر على الاهتمام العلمی والثقافی وعلى الانفتاح.
الأمر الأول: لَفْت نظر الحكومة السعودیة إلى ضرورة الاهتمام بأوضاع الشیعة فی المنطقة، ونتیجة لذلك تكونت لجنة بهذا الخصوص لدراسة أوضاع الشیعة فی القطیف والأحساء، وهذا التحرك حصل نتیجة مشاكل یعیشونها ولا بد من معالجة هذه المشاكل، وهذا أمر جید فی ذلك الوقت.

وعلى إثر ذلك تحفزت الدولة لمعالجة الأوضاع، فبدأت تظهر بعض التطویرات العمرانیة فی منطقة القطیف، ودخلت المنطقة مرحلة أخرى، ولذلك لمّا عدنا بعد فترة المعارضة ما كنا لنتعرف إلى بلادنا بسبب التغیرات العمرانیة الكثیرة التی حصلت فیها.

الأمر الآخر: اتجهت الدولة إلى التفكیر بأن الشیعة أصبحوا مصدر قلق أمنی، وأن هناك علاقات مع إیران ومع الثورة فیها، وهذا سلّط نظر الأجهزة الأمنیة السعودیة على الوضع الشیعی فی المنطقة أكثر مما سبق، وبدأ هناك اهتمام واعتقالات وتحقیق وأحداث كثیرة حدثت فی تلك الفترة.

المقدم: مع تكاثر الطلبة بعد انتصار الثورة أكثر مما قبل، حیث كان عدد الطلاب بحدود العشرین، فیما اختلف الأمر بعد ذلك، إذ بدأت تبرز هناك ـ سماحة الشیخ ـ تیارات سیاسیة داخل النسیج الطلابی الوافد من السعودیة، فظهر ما سمی ـ حینها ـ بحزب الله الحجاز، الذی طالب بولایة الفقیه، هل دخلتم فی صراع من نوع آخر، أم هو تنظیم عابر، وبالتالی قال كلمته وكان لكم رأیكم وموقفكم؟


بروز التیارات السیاسیة بعد انتصار الثورة

الشیخ الصفار: الحالة السیاسیة فی المجتمع الشیعی السعودی جدیدة ناشئة، وكأی حالة ناشئه تمر بمراحل، مرحلة بدایة أو مراهقة، إلى أن تصل إلى مستوى من النضج الذی یمكنها من العمل ضمن محیطها وضمن معادلات مجتمعها وبلدها، أما فیما یرتبط بی وبالأخوة معی، فنحن نعترف أننا حینما انطلقنا فی عملنا السیاسی المعارض كنا ناشئین، ومن ثَمَّ مررنا بتجارب وتطورت حركتنا وأطروحاتنا السیاسیة، فحینما بدأنا، بدأنا بعنوان عریض هو: «منظمة الثورة الإسلامیة فی الجزیرة العربیة»، لكننا فیما بعد بدأنا ندرك أن هذا العنوان أكبر من حجمنا، وأن هذا العنوان لا یتناسب ولا یتوافق مع شروط بلدنا وواقعه.

المقدم: حزب الله الحجاز تصنفه ضمن هذا الإطار؟

الشیخ الصفار: هذا كتحلیل منی فیما یخصّ تجربتنا، ولكنی لا أستطیع أن أتكلم عن الآخرین، فهم من ینبغی أن یتحدثوا عن تجربتهم، لكن تحلیلی أننا كما بدأنا نستعمل عناوین كبیرة وصارخة، فالإخوة أیضًا فی حركتهم استعملوا هذه العناوین الكبیرة والصارخة أیضًا، ولكنی ـ كما أعتقد ـ ما عادت هذه العناوین الصارخة مطروحة عندنا ولا عندهم، فالجمیع منا اقتنع بأن العمل والتحرك یجب أن یأخذ بعین الاعتبار الواقع الوطنی والمحلی والاجتماعی، وأن الشیعة فی المملكة ـ وهذا ما سنتحدث عنه ـ لیس لهم طموح تغییر السلطة والاستیلاء علیها، كونهم أقلیة، ولإدراكهم لوضعهم وحجمهم، وللوضع الموجود فی البلد، ومنتهى ما یطمحون إلیه هو المشاركة مع بقیة الشرائح الاجتماعیة، كما عبرت عنه وثیقة: «شركاء فی الوطن».

المقدم: على كل حال، المحطة الخاصة بالمملكة والحوار الذی فتح ـ سواءً على مستوى المذاهب أو الحوار مع الملك عبد الله ـ سنأتی علیها سماحة الشیخ، بعد إیران ومحطات أخرى مهمّة وبعد المواجهة ـ بین مزدوجین ـ مع مدرسة ولایة الفقیه وحزب الله الحجاز الذی تحدثتم عنه، توجهتم إلى السیدة زینب  فی دمشق، وهناك واصلتم تأسیس حوزات علمیة وحسینیات، ثمّ بدأتم بنشر كتب ومؤلفات، وبدأتم تخطبون فی سوریة وخارجها، وكان لكم جولات خارج سوریة، وصلتم بها إلى البحرین وغیرها، ما الذی شكلته لكم هذه المحطة المهمّة والغنیة؟

 

فی موسم عاشوراء 1400ه ـ 1979م، قررنا مع بعض الاخوة الخطباء أن نخصِّص خطاباتنا من أجل إیجاد روح حماسیة وحركیة عند الجمهور.
الشیخ الصفار: أود أن أشیر إلى أن العلاقة مع الإخوة ما كان یعرف بحزب الله الحجاز، لم تكن علاقة تصادم، بل كان مجرّد اختلاف فی الرأی والتوجه، فنحن نعتقد أنّ أیّ تحرك فی المجتمع الشیعی فی المملكة ینبغی أن یكون مستقلًا، وألا یكون مرتبطًا بأی جهة خارج البلد، وأنه لا بدّ أن یأخذ ظروف البلد بعین الاعتبار، كما أننا ننتمی إلى مرجعیة السید الشیرازی، وهذه المرجعیة ـ بعد انتصار الثورة وانتقال السید الشیرازی إلى إیران ـ حصل نوع من الاختلاف بینها وبین القیادة الإیرانیة، بینما الإخوة فی حزب الله الحجاز كانت لهم وجهة نظر مغایرة، وما كانوا مع هذا الاتجاه، بل كانوا یرون ضرورة إظهار العلاقة مع الجمهوریة الإسلامیة ضمن عنوان ولایة الفقیه، وهذا كله كان ضمن المرحلة السابقة.


جئنا إلى سوریة عندما بدأت العلاقات السعودیة الإیرانیة تأخذ منحى الصراع بعد الأحداث التی حصلت فی مكة، حیث تشنجت وتوترت العلاقات السعودیة الإیرانیة، فرأینا أن بقاءنا فی إیران ضمن هذا الجوّ سیجعلنا ضمن خندق فی مواجهة خندق آخر.

المقدم [مقاطعًا]: سنتابع معك المحطة الخاصة بسوریة ـ سماحة الشیخ ـ بعد الصدام الذی وقع بین السعودیة وإیران، لكن بعد توقف مع فاصل قصیر.

[فاصل إعلانی]

المقدم: نعود إلیكم مشاهدینا لمتابعة مراجعات مع الشیخ حسن الصفار، ونصل إلى الجزء الثانی من الحلقة الثانیة المرتبطة بالمحطات الأبرز للشیخ حسن الصفار. شیخ حسن، أعود إلیك الآن فی المحطة المتمیّزة عن غیرها من المحطات ـ سواءً فی النجف الأشرف أم فی قم ـ وهی: سوریة ومنطقة السیدة زینب ، حیث ذهبتم إلى هناك بسبب الخلاف الذی وقع بین السعودیة وإیران بعد انتصار الثورة، حیث أصبحتم مرغمین بالتوجُّه إلى مكان آخر غیر إیران، فتوزعتم بین سوریة وغیرها، وتغیرت سیاستكم فی مقرّ إقامتكم الجدیدة، فأنشأتم حوزات وحسینیات وجوامع ورعایة تنمویة، لكنكم كنتم بعیدین عن السیاسیة، لماذا؟


فی منطقة السیدة زینب

الشیخ الصفار: فی منطقة السیدة زینب  كان هناك تمیز فی جانبین، هما:

الجانب الأول: التواصل الاجتماعی والجماهیری، لأن كثیرًا من الناس من أبناء منطقتنا فی القطیف والأحساء كانوا یفدون إلى منطقة السیدة زینب لزیارة مقامها  وللاصطیاف، إذ لم یكن المجال أمامهم مفتوحًا للذهاب إلى العراق، بسبب توتر الأجواء هناك، وكذلك ما كانت الفرصة متاحة لأن یذهبوا إلى إیران، لما فیه من محذور أمنی وسیاسی، فكان الناس یأتون إلى سوریة بمنطقة السیدة زینب بصورة طبیعیة، وهو ما أتاح لنا فرصة طیبة للتواصل مع مجتمعنا وإقامة دورات ومحاضرات تثقیفیة لهم، والتعرف إلى الطاقات والعناصر الشابة، وكذلك مكّننا من الاستفادة من دعم الناس لنا؛ لأننا كنا نعتمد على دعم مجتمعنا مادیًّا ومعنویًّا وبشریًّا بشكل أساس.

المقدم: لكن رغم كل الظروف التی كانت قائمة، كنتم بعیدین عن السیاسة.

 

الإیرانیون لم یكونوا هم الذین شجعونا على التحرك السیاسی الثوری.
الشیخ الصفار: نعم، فی سوریة كنّا نعرف أن الحكومة السوریة لها علاقات جیّدة مع المملكة، ومن ثَمَّ لم یكن ممكنًا أن نمارس نشاطًا سیاسیًّا أو إعلامیًّا ضد الحكومة السعودیة داخل سوریة، فكان نشاطنا السیاسی والإعلامی فی مناطق أخرى، فی أوربا وأمریكا ولبنان، ولم یكن هناك أی نشاط سیاسی وإعلامی واضح فی سوریة.

المقدم: لكن هل هذا الأمر كان نتیجة تبلیغكم مثل هذا الحظر من قبل السلطات السوریة أم هو حظر ذاتی لمعرفتكم المناخ العامّ هناك؟

الشیخ الصفار: كان نتیجة معرفتنا، وكذلك لأن بعض الجهات الأمنیة التی تتعامل مع المقیمین فی منطقة السیدة زینب كانت تبلغ هذا الأمر، وهم بدورهم یبلغون القائمین على الحسینیات والحوزات العلمیة بأن ممارسة الأنشطة السیاسیة أمر محظور.

المقدم: لكن فی هذا الوقت ـ سماحة الشیخ ـ كانت تصلكم أخبار ـ وأنتم فی دمشق ـ عن اعتقالات كانت تحصل لبعض الطلبة السعودیین الآتین من قم، نتیجة الاختلافات التی كانت قائمة بین السعودیة وإیران بعد انتصار الثورة، هل هذا الأمر كان یقلقكم بحیث جعلكم ملزمین بالبقاء فی سوریة، وهل بدأتم تصرفون النظر عن العودة إلى السعودیة، أم أنكم كنتم تریدون أن تواجهوا حتى لو تعرضتم للاعتقال؟

الشیخ الصفار: فی ذلك الوقت لم تكن مسألة العودة إلى السعودیة هی التی تحكم حركتنا، فما كان یهمنا أن یكون هناك ضغط إعلامی وسیاسی لإحداث انفراج فی العلاقة ما بین المواطنین الشیعة والحكومة السعودیة، ولذلك كانت هذه الأخبار تنعكس على نشاط الإخوة فی أمریكا وأوربا، إذ كان هناك نشاط إعلامی مكثف ونشاط سیاسی، وتواصل مع منظمات حقوق الإنسان، وكذلك كانت تقام اعتصامات، فكانت هناك حركة سیاسیة فاعلة ومؤثرة.

 

حینما انطلقنا فی عملنا السیاسی المعارض كنا ناشئین، ومررنا بتجارب إلى أن تطورت حركتنا وأطروحاتنا السیاسیة.
أما الأمر الآخر الذی میّز فترة وجودنا فی سوریة، فهو: تبلور خیارنا السیاسی، حیث بدأنا نفكر بشكل أعمق، ونراجع أنفسنا أكثر، فإننا ـ كجزء من المواطنین الشیعة ـ ینبغی أن نبلور خیاراتنا، لأننا لا نستطیع ـ ولا یصح لنا ـ أن نستعمل هذه العناوین والشعارات الصارخة، كتغییر النظام السیاسی فی المملكة، فهی لیست مهمتنا، وكذلك لا یتناسب مع وضعنا أن نرفع مثل هذا الشعار، وهنا بدأ التوجه للاعتدال فی حركتنا السیاسیة، فغیَّرْنا اسم حركتنا، من: «منظمة الثورة الإسلامیة فی الجزیرة العربیة» إلى: «الحركة الإصلاحیة فی الجزیرة العربیة».

المقدم: ربما كان هذا التوجه قد بدأ بمقدمات، وهو الذی فتح المجال أو القناة من قبل السلطة فی المملكة العربیة السعودیة معكم، لأنه نقل فی بعض القنوات أن هناك اتفاقًا قد حصل بینكم ـ كمعارضة ـ وبین الدولة، أفضى بعودتكم إلى القطیف، وهناك من یأخذ على هذا الأمر أنه قد حصل بمباركة ملكیة، ماذا یعیب هذا الأمر إذا كان فعلًا هذا الذی حصل؟


الحوار والعودة إلى الوطن

الشیخ الصفار: البدایة كانت من موقفنا تجاه غزو العراق للكویت، فحینما جاءت القوات المتحالفة من أجل تحریر الكویت، وكان للمملكة العربیة السعودیة دور أساس فی هذه المعركة، بعث النظام العراقی كثیرًا من الوسطاء والوفود لكی یشجعنا على فتح العلاقة معه، وأنه مستعد لتقدیم كل ما یلزم لنا كمعارضة للحكومة السعودیة، ولكننا كنا نرفض قبول ما كان یقدّمه النظام العراقی، لأننا ما كنا نثق بالنظام العراقی، من جهة، ومن جهة أخرى: لأننا ما كنا نقبل لأنفسنا أن نكون أشبه بالمرتزقة، نتجاوب مع أی قوّة خارجیة ضدّ وطننا وحكومتنا، ولذلك أعلنّا موقفًا صریحًا نجمِّد بموجبه معارضتنا ما دام الوطن یتعرض لمحنة، وطلبنا من المواطنین الشیعة أن یكونوا فی خندق واحد مع حكومتهم للدفاع عن الوطن، حتى یتجاوز هذه المحنة.

هذا الموقف لفت نظر الملك فهد، فبادر إلى بعث رسائل لنا، وبَعَثَ موفدین من قبله لشكرنا على هذا الموقف الوطنی، ولكی یفتح معنا الحوار وسبل العودة.

أما بخصوص أنها مباركة ملكیة، فهذا لا یعیب، بل على العكس من ذلك، فهذه نقطة قوة للطرفین، للحكومة السعودیة، فالملك شخصیًا هو من اهتم بالأمر، ونقطة قوة لنا، لأننا عدنا بالحوار مع أعلى المستویات.

المقدم: الذین ینتقدون موقفكم هذا، یشیرون إلى أن المواجهة هنا سقطت، ولكن قدّمتَ لهذه الفكرة، بأنكم كنتم ترون أن لیس من مصلحتكم أن تعلنوا انتماءً سیاسیًّا من أهدافه إسقاط النظام أو ما شابه ذلك، إنما تریدون العمل على تنمیة الطائفة التی تنتمون إلیها، بأن تتحسّن أوضاعها، فكانت هذه الفرصة هی التی فتحت باب الحوار، والآن وصلنا بكم ـ سماحة الشیخ ـ إلى السعودیة، وإلى القطیف ـ مسقط الرأس ـ، وإلى الانطلاقة، هل ساعدتكم هذه الفرصة على المطالبة بالإفراج عن عدد من المعتقلین؟

سماحة الشیخ، كان هناك الكثیر من المعتقلین، فهل هذه الحوارات التی فتحت مع الملك فهد ـ ثم مع الأمیر عبد الله الذی أصبح ملكًا لاحقًا ـ ساهمت فی الإفراج عن هؤلاء؟ وهل ساهمت فی التنمیة التی كنتم تریدونها؟


أطلاق سراح المعتقلین وتجاوز مرحلة القلق

الشیخ الصفار: قبل أن نعود إلى البلد، وبمجرد أن بدأت المفاوضات، كان إطلاق سراح المعتقلین هو من الأمور الأساسیة فی البحث، وقد أصدر الملك فهد آنذاك أمرًا بإطلاق سراح كل المعتقلین قبل أن نعود إلى البلد، وأُطلق سراح كل المعتقلین السیاسیین من الشیعة، مع أن بعضهم كانت قد صدرت أحكام قضائیة ضدّهم، ولكن الملك وافق على إطلاق سراح كل المعتقلین دون استثناء، وكذلك أولئك المتواجدون فی الخارج ممن كانوا فی المعارضة، جرى الحدیث مع موفدی الملك ومع المسؤولین بأن تُسَهَّل لهم العودة دون محاسبة، وبالفعل أعطى الملك توجیهًا صریحًا وواضحًا بأن یعود كل أبناء الشیعة الذین كانوا فی الخارج ـ وهم بالمئات ـ إلى الوطن دون أی أذًى أو محاسبة عما سبق، وبالفعل عاد كل من رغب بالعودة، وبعضهم أتیحت لهم الفرصة أن یعود إلى وظیفته وعمله السابق، لكی یُطَبِّعَ حیاته فی البلد. وبخصوص الممنوعین من السفر، كان هناك عدد كبیر من أبناء الشیعة ممنوعون من السفر، فجرى البحث فی هذا الموضوع، وصدر الأمر برفع هذا الحظر.

 

موقفنا من تداعیات احتلال الكویت لفت نظر الملك فهد، فبعث موفدین من قبله لشكرنا ولفتح الحوار معنا.
فالملف الأمنی كله عولج، وأصبح التعامل ـ وهذا أمر مهم ـ مع المواطنین الشیعة ومع النشاط الشیعی لا ینظر إلیه من خلال المنظار الأمنی كما كان سابقًا، حیث كان بمجرّد أن یطبع البعض كتابًا أو یقیم حفلاً أو أی نشاط ثقافی أو دینی، تنظر له بعض الأجهزة على أنه اختراق أمنی أو مخالفة أمنیة، فیتعامل معه على المستوى الأمنی، ولكنه فیما بعد أصبح یتعامل مع أی مخالفة ضمن إطارها المدنی، فإذا نُشر كتاب بدون ترخیص، یُتعامَل مع الناشر على أنه خالف قانون المطبوعات، وكذلك إذا أقیم حفل بدون ترخیص، تتعامل معه أجهزة الدولة على أساس أنه خالف الإجراءات المتبعة.

المقدم: هذه حُسِمَت وطویت ورقتها، لأدخل معك مرحلة الحوار والرؤى الفكریة سماحة الشیخ، أولًا: مسألة الحوار مع الملك عبد الله سبقها مجموعة لقاءات وقبلها مع الملك فهد، وهی كانت البدایة والمقدمة، ثم تلتها مجموعة لقاءات فكریة بین المثقفین السعودیین، قیل إنه كان هناك من یحاول إفشالها، السؤال الذی نحاول أن نطرحه هو: هل كان من یحاول إفشال مثل هذه اللقاءات ـ التی كانت تشكل رؤى للمستقبل ـ من السلطة أم من خارجها؟


الحوار الوطنی محطة من محطات الاستقرار

الشیخ الصفار: فی الواقع، الملك عبد الله لدیه اهتمام بموضوع الحوار، وهذا أمر یقدر له ویُكبَر فیه، سواءً كان على مستوى الحوار الوطنی ـ حیث دعا ممثلین من كل الشرائح لكی یجتمعوا تحت رعایته، وأن یجروا حوارًا وطنیًا، وهذا أمر یُعدُّ سابقة ومنعطفًا جدیدًا فی تاریخ العلاقة بین الفئات والشرائح داخل المملكة، وكانت هذه مبادرة إیجابیة وكبیرة من خادم الحرمین، وبالإضافة إلى الحوار الداخلی، اتجه إلى الحوار الإسلامی ـ الإسلامی، وانعقد مؤتمر حوار مكة الذی جمع شخصیات إسلامیة من كل المذاهب والبلدان والاتجاهات، وأخیرًا طرح الملك حوار الأدیان الذی انعقد فی مدرید.

إن هذا التوجه عند الملك عبد الله توجه إیجابی ینبغی أن یقدر وأن یشجع، وینبغی كذلك التعاون معه لإنجاح هذا المسار، وفی الاتجاه المقابل علینا أن نقف أمام من لا یعجبه هذا التوجه سواء كان من داخل المجتمع أو ضمن المؤسسات الرسمیة.

المقدم: حتى نتحدث بصراحة أكثر، هل المعارضة هی من قِبَل بعض التیارات السلفیة أم الأمر مرتبط بالنظام بشكل أو بآخر وترید أن تحمیه وإن بشكل لا یخدمه؟

الشیخ الصفار: الأمر الواضح أن هناك اتجاهات متشددة فی المدرسة السلفیة أو فی المؤسسة السلفیة، وهو أمر لا أعمّمه على كل السلفیین، فهناك معتدلون یخوضون صراعًا ضدّ التطرف الموجود داخل ساحتهم، لكن الواضح ـ ومن خلال البیانات التی تنشر على الإنترنت والخطابات العامّة ـ أن هناك اتجاهًا متشددًا متطرّفًا داخل السلفیین لا یقبل الانفتاح على الآخر، ومتمسك بمواقفه الحادّة اتجاهه، ولا ینحصر ذلك تجاه الشیعة فقط، إنما هو تجاه كل من یخالفه فی الرأی، بما یشمل السنة الصوفیة ـ مثلًا ـ، أو تجاه اللیبرالیین، أو أی جهة أخرى تخالفهم فی الرأی، وهؤلاء هم من مارسوا ضغوطًا شدیدة لكی یفرغوا الحوار الوطنی من محتواه.

المقدم: مع هذا، قیل إن لدیكم اتصالات ـ سماحة الشیخ ـ حصلت مع بعض رموز السلفیة فی المملكة العربیة السعودیة، من بینهم: الشیخ سلمان العودة، هل یمكن أن نقول أنها ساهمت فیما له علاقة ـ لاحقًا ـ بنظرتكم للتقریب بین المذاهب، وهی مسألة أساسیة وأنت كتبت الكثیر حولها؟

 

المتشدّدون من الاتجاه السلفی بالمملكة مارسوا ضغوطًا لكی یفرغوا الحوار الوطنی من محتواه.
الشیخ الصفار: أنا أعتقد أن القطیعة والتنافر الموجود بین الناس هو السبب الرئیس للتعصب وللحدّیة فی المواقف، لأن الناس إذا اقتربوا من بعضهم البعض وتعرفوا إلى بعضهم، یمكن معالجة جزء كبیر من هذه المشكلة، وهناك كلمة جمیلة للإمام السید عبد الحسین شرف الدین یقول فیها: «المسلمون إذا تعارفوا، تآلفوا»، ولهذا نجد أن القران الكریم یطلق مبدأ التعارف، فیقول تعالى: ?وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا?[1] .

إن التعارف أمر مهم جدًا فی المملكة العربیة السعودیة، وبخاصّة بعد هذه القطیعة بین الشرائح المختلفة التی استمرّت لفترة طویلة آن لها أن تنتهی، ومن المؤسف أن یظلّ كل فریق متسمّراً فی موقعه, ولا یقترب من الآخر, وفی نطاق مذهبه، ومتقوقع ومنطوٍ على نفسه، والشیعة مطالبون بهذا أكثر، فهم كانوا یشعرون بالحصار علیهم من الطرف الآخر، ما جعلهم ینطوون على أنفسهم، ونجد أن الكثیر منهم استمرّ على حالة الانطواء والانكفاء، فعدّها هی الأصل، وأصبح الانفتاح یحتاج إلى دلیل وإقناع، لذلك نعانی داخل مجتمعنا الشیعی من وجود حالات ترفض الانفتاح، وإن كانت الحالة الأوسع هی الحالة التی تشجع وتؤید الحوار.

المقدم: سماحة الشیخ، هل أسهم الحوار عن شیء مّا مختلف؟ لأننا نرید أن نصل إلى النقطة المرتبطة بتلاقی الأدیان انسجامًا مع شعار التعارف، هل حقق هذا الحوار شیئًا ملموسًا؟ وهنا نتحدث عن الحوار الذی انعقد داخل المملكة العربیة السعودیة على المستوى المذهبی، ذلك أنك صاحب رؤیة فی هذا الموضوع؟ وما الذی حققه من خلال مراقبتكم لما جرى؟

الشیخ الصفار: أنا أعتقد أولاً: أنه حقق أشیاء كثیرة، تصلح لتأسیس مستقبل جید على المستوى الوطنی؛ لأننی أخالف بعض أولئك الذین یتوقعون أن تنتج هذه الحوارات واللقاءات قرارات وتغییرات فوریة، فهو تصور لیس ناضجًا ولیس صحیحًا، فهذه الحوارات أعطت فرصة للتلاقی وتجاوز الحواجز النفسیة, ومكّنت الأطراف أن تلتقی وتتعرف إلى بعضها بعضًا عن قرب، ثانیًا: شكلت اعترافًا بالتعددیة داخل الوطن، ففی الماضی كان هناك رأی واحد واتجاه واحد فقط، وهو الذی یظهر على الساحة، واختزلت المملكة واختزل شعبها كله فی لون واحد، هو اللون السلفی أو المدرسة السلفیة.

بعد الحوار الوطنی أصبح هنالك اعتراف بالتعددیة، وكان ذلك من اللقاء الأول، إذ كان هناك بند من البنود یصر على الإقرار بالتعددیة الفكریة والمذهبیة، وبالتالی أصبح هناك فرصة فی وسائل الأعلام لظهور الرأی الآخر، وكذلك فی النشاط الاجتماعی والثقافی، فنحن الشیعة ـ مثلًا ـ لم یكن أمامنا ـ فی الماضی ـ فرصة أن ننشر بعض آراءنا وأفكارنا فی وسائل الأعلام، بینما أصبح الآن ـ إلى حدٍّ ما ـ متاحًا. نعم، قد لا یكون هناك مجال لطرح القضایا التی هی مورد اختلاف عقدی، لكن القضایا الفكریة والثقافیة ـ وكذلك مناقشة بعض الأمور التی ترتبط بوضع الشیعة ـ أصبحت متاحة فی وسائل الأعلام.

المقدم: سماحة الشیخ، لعلّ هاجسكم ـ بالأساس ـ كان مسألة التنمیة، حیث طرحتم هذا الشعار خلال وجودكم فی الخارج، فی كل المحطات التی مررتم بها كنتم تریدون أن تعودوا إلى القطیف تحدیدًا، وأن تنهضوا بالمجتمع القطیفی والأحسائی؛ لأنه كان مظلومًا ومحرومًا، هل تعملون على مسألة التنمیة الآن؟ وإلى أین وصلت نتائجها؟ أم لا تزال فی البدایات؟


التنمیة واجهة حضاریة للوطن

 

بعد الحوار الوطنی هنالك اعتراف بالتعددیة، وفرصة فی وسائل الأعلام لظهور الرأی الآخر، وفی الأنشطة الاجتماعیة والثقافیة.
الشیخ الصفار: فی الواقع، نحن نهتم بموضوع التنمیة على المستوى الوطنی العام، فمادمنا نعیش فی وطن واحد، لا یمكن الحدیث عن التنمیة فی منطقة دون أخرى، نحن مهتمون أن نكون شركاء مع كل القوى الواعیة فی الوطن، مع الحكومة وأجهزة الدولة، ومع بقیه القوى الأهلیة من أجل التنمیة على المستوى الوطنی العام، صحیح أننا نشعر فی منطقتنا أن هناك تدنیًّا فی بعض الخدمات، وتخلفًا فی بعض المجالات، ولكننا حینما عدنا إلى المملكة وزرنا المناطق الأخرى، وجدنا مناطق فی المملكة تعیش حالة لیست أفضل من الحال التی نعیشها، وهذا ما أكد لنا تكریس الهمّ الوطنی العامّ، وأن نعمل على الصعید الوطنی العام.

ولكن باعتبارنا نعیش فی هذه المنطقة وهذا المجتمع، فإن إمكانیة العمل لنا فی منطقتنا هی أكثر منها فی المناطق الأخرى، ولذلك تحركنا فی هذا الاتجاه، وأصبحنا ضمن هذا الحراك الموجود فی منطقتنا، بحیث نشجع وندفع باتجاه التنمیة التعلیمیة والاقتصادیة والثقافیة والاجتماعیة.

المقدم: سماحة الشیخ، حتى لا تُتَّهمون بالاعتدال ـ وهذه لیس تهمة، إنما هی خیار،...

الشیخ الصفار [مقاطعًا]: الاعتدال وسام.


الاعتدال یتقاطع فكریًا مع التشدد

المقدم: لكن لنعترف أن هناك هجمةً واضحةً من قبل التیارات السلفیة المتشدّدة ـ وأنت أشرتَ إلى أن هذه التیارات كما تعیش اتجاهًا متشدِّدًا، یوجد بها تیارات معتدلة ـ هل تَعُدُّ مسعاك الدعوی واجتهادك وفكرك وكذلك كتبك هی فی هذا الاتجاه؟ أی من أجل إسقاط هذه الحالة السلفیة المتشدّدة، وأنك ربما مع غیرك ستربحون المعركة؟ أم هی معركة خاسرة؟

الشیخ الصفار: هی معركة على مستوى العالم الإسلامی كله، فالتشدد موجود فی كل الطوائف والمذاهب، لكنّ نسبته وحجمه قد یختلف من طائفة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، وأنا أعتقد أن العقلاء والواعین من أبناء الأمّة فی كل المذاهب والطوائف آن لهم أن یأخذوا زمام المبادرة، وألا یتركوا الساحة للمتشدِّدین والمتطرِّفین؛ لأنهم سیقودون أمّتنا إلى الدمار، ونحن رأینا ما حصل فی واقع الأمة الإسلامیة بسبب توجهات التطرف والتشدد فی العلاقة مع الخارج، عبر هذا الإرهاب الذی أصبح وصمة عار على جبین المسلمین، یُنْبَزُون به فی كل مكان، وفی كل بلد على الصعید الداخلی، وهو ما رأیناه من اقتتال واحتراب مذهبی وفئوی فی أكثر من بلد، لماذا تبقى بلانا تعانی من هذه الحالات، فی العراق ولبنان والصومال وأفغانستان، إننا نجد أن هناك من یحاول أن یقود المعارك السیاسیة إلى فخّ الاحتراب المذهبی، وإعطاء الطابع المذهبی للنزاع والاحتراب، لقد آنَ لنا أن نأخذ زمام المبادرة، وألا نفكر فی المكاسب الآنیة المحدودة، إننی أعمل من أجل مستقبل هذه الأمة ومن أجل استقرارها.

المقدم: هذا طموح كبیر سماحة الشیخ، ولربما یستحق كثیرًا من الوقفات، ولكنك طالما استعملت تعبیر «وطنیّة الشیعة»، ونحن نتحدث عن هذه الوطنیة فی المملكة التی كان التباعد فیها هو الأساس ولیس التقارب، هل كرّستم هذه الوطنیة ووضعتموها على الطریق، بكلمة لو سمحت؟


الشعور بالانتماء إلى الوطن

الشیخ الصفار:نعم، نحن نعتقد أن من مهماتنا الأساسیة تكریس هذه المشاعر وهذه الاهتمامات الوطنیة، بحیث یشعر المواطنون الشیعة أنهم جزء من وطن وشعب، وأن یحققوا ـ إلى جانب إخوانهم ـ التنمیة والبناء فی وطنهم بشكل عام، وهذه المشاعر ـ والحمد لله ـ نشعر بها فی أوساط مجتمعنا، ولكن ما نرید أن یتحقق أن یبادلنا الآخرون المشاعر نفسها، وأن نضع حدًّا للاتهامات والتشكیك بالولاء الوطنی الذی لا یستفید منه إلّا الأعداء.

 

نرید أن یبادلنا الآخرون مشاعر الأخوّة والمواطنیة، وأن نضع حدًّا للاتهامات والتشكیك بولائنا الوطنی الذی لا یستفید منه إلاّ الأعداء.
المقدم: على كل حال سماحة الشیخ، الحكم على تجربتكم وعلى المحطات التی وردت معنا فی هاتین الحلقتین نتركها للمشاهدین حتى یقیموها، لأننا لا نرید أن نطرح علیك السؤال هل نجحت فی مسعاك أم لا، فالدرب مازال طویلًا أمامك، متمنین لك التوفیق فی مسعاك فی مختلف الصُّعد.

الشیخ الصفار: أودّ أن أقول أن المسألة لیس اجتهادًا شخصیًّا فما نحققه، ـ أنا ومعی نخبة من أبناء المجتمع ـ، من إنجازات ومكاسب كلنا شركاء فیها، هذا من ناحیة، ومن ناحیة أخرى، إننا یجب أن نقوم بواجبنا ووظیفتنا.

المقدم: أشكرك سماحة الشیخ حسن الصفار، المفكر السعودی، ونتمنى لك التوفیق فی كل مهمامّك وشكرًا لك على هذا الحضور فی «مراجعات»، وشكرًا للمشاهدین على المتابعة. والسلام علیكم.

 

 

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.