14 January 2011 - 23:51
رمز الخبر: 3040
پ
تونس:
رسا/تحلیل سیاسی- خارج کل التوقعات والحسابات، خرج الشعب التونسی فی هبّة جماهیریة انطلقت بمطالب اجتماعیة سرعان ما تحولت إلى انتفاضة شعبیة بمطلب سیاسی عالی السقف؛ تطالب برحیل الرئیس..تکرّر السیناریو الإیرانی فرّ الرئیس وافتتحت تونس الزمن الثوری فی العالم العربی. بقلم عبدالرحیم التهامی.
بعد فرار الطاغیة بن علی هل تکون تونس بوابة الثورة فی العالم العربی؟

بعد 23 سنة من الحکم الدیکتاتوری اضطر الرئیس التونسی الجنرال زین العابدین بن علی أن یغادر تونس بعدما بدا له أنّ سیناریو الدیکتاتور السابق لرومانیا تشاوسیسکو یقترب منه، هرب الدیکتاتور وسلم سلطاته بشکل مؤقت للوزیر الأول وذلک بعد أن فشلت کلّ تکتیکاته ومناوراته، ولم تفلح تنازلاته؛ التی أعلن عنها فی اخر خطاب له؛ فی استیعاب حرکة الشارع التونسی الذی انتفض منذ شهر على خلفیة ملف اجتماعی ومطلبی انطلقت شرارته مع إقدام شاب تونسی أحمد بوعزیزی على إحراق نفسه احتجاجا على الضیم الذی لحقه من قوات القمع التونسیة.
لم یکن احد یتوقع ان المارد الشعبی سینطلق فی حرکة ثورة تتسع بشکل مضطرد، منطلقة من مدن الهامش المفقر والمغبون والغیر المدرج فی خطط التنمیة المشوّهة، لیصل الى قلب العاصمة تونس والتی ارتفعت فی سماءها شعارات تطالب الدیکتاتور بالرحیل، لم یکن أحد یتوقع أنّ حاجز الخوف سیسقط وهو الذی الذی اعتمد علیه بن علی فی إذلاله لشعب تونس وتحویل مقدرات البلد إلى مصلحة خاصة تتصرف فیها اسرة الرئیس وعصابة اصهاره المعروفین بعصابة الطرابلسی، لم یکن أحد وخاصة فی الغرب الذی سوّق للدولة البولیسیة التونسیة على أنّها النموذج التنموی الناجح فی منطقة المغرب العربی، الدولة التی نکلت بالمعارضین وابتدعت سیاسة ما یسمى بتجفیف منابع التدین فی حربها على المعارضة الإسلامیة..یتوقع أنّ الحراک الشعبی سیتواصل برغم القمع والتقتیل ویطیح بأحد عملاء الغرب والصهیونیة.
تونس فی الواقع لیست إلاّ نموذجا مصغرا لنمط الدولة المستبدة والفاسدة والمفلسة والعمیلة التی تسود فی العالم العربی، حیث لا مواطنة حقّة ولا حقوق ولا تنمیة ولا احترام للکرامة، أنظمة متسلطّة تصادر إرادة الشعوب بدعم من الغرب الذی یفضل أن یتعامل مع حکام لصوص ومافیات عائلیة على أن یتعامل مع حکومات منتخبة تحمی مصالح أوطانها، وتخضع للمحاسبة والمساءلة عن أی تفریط فی حق من حقوق شعبها او تفویت مجانی لأی مصلحة من مصالح الوطن.
عندما هبّت ریاح الدیمقراطیة على أوربا الشرقیة أواخر ثمانینیات وبدایة تسعینات القرن الماضی وتساقطت الدیکتاتوریات تباعا، سرت موجة تفاؤل من أن تلک الریاح ستهب على العالم العربی الرازح تحت أنظمة أبشع من أنظمة الحزب الواحد فی دول المعسکر الشرقی، لکن شیئا من ذلک لم یحصل لأنّ قصورا فی الحرکة الاجتماعیة والسیاسیة عطّل تلک الدینامیة التاریخیة، ولأنّ الغرب کانت له مصلحة فی إعاقة کلّ إمکانیة فی التحول السیاسی.
وحتى دعوات الإصلاح السیاسی التی طالبت بها بعض الإدارات الأمریکیة فی تسعینات القرن الماضی عادت وتراجعت عنها عندما رأت أن إقرار الإصلاحات السیاسیة والدستوریة فی بعض هذه الدول العربیة یخدم الصعود الإسلامی ویوفّر للحرکات الإسلامیة حظوظا وافرة للوصول إلى السلطة.
وهکذا تغولت دویلات الاستبداد وعمدت الى قمع قوى المعارضة واستدرجت بعضها إلى مشارکة سیاسیة معدومة الافق، ووثقت العلاقة بالغرب مقدمة نفسها کوکیل لمصالحه، بل أن بعض الأنظمة ومن ضمنها النظام التونسی فتحت قنوات اتصال مع العدو الإسرائیلی، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ النظام التونسی متورط فی عملیة اغتیال القائد الفلسطینی خلیل الوزیر(أبو جهاد) فی فیلته فی ضواحی العاصمة تونس من طرف کوماندو إسرائیلی.
وها هی تونس تصنع الحدث عربیا، وتعطی الدرس للشعوب العربیة فی أنّ ما بین الذل والحریة دماء وشهداء، ها هی تونس قلعة الاستبداد ودولة البولیس تنهار ویفرّ رئیسها والعصابة من أقربائه امام هبّة شعبیة مصممة على الحریة، مع الإشارة الى أن الحراک الجماهیری فی تونس افتقر الى قیادات سیاسیة میدانیة تؤطره وتقود حرکته، لانّ قوى المعارضة الحقیقیة إما فی السجون او المهجر.
ها هی تونس تعطی الدرس بانّ الاستبداد جبان، کما أعطاه فی السابق الشعب الإیرانی البطل، وانّ الشعب إذا أراد الحیاة فلابد أن یستجیب القدر کما هو شعار التونسیین فی انتفاضتهم المجیدة.
لقد اسهم الاعلام فی وضع کل تفاصیل الحدث التونسی امام المشاهد العربی، وهذا ما یتحسّب له الطغاة والحکام العفنین الذی عطلّوا مسیرتنا الحضاریة والتاریخیة وجعلوا من شعوبهم عبیدا یتوارثون التلسط علیهم، إنهم یخشون انتقال روح الثورة وانکسار حاجز الخوف فتعصف بهم الى المجهول هبّة الشعب وغضبتها بعد صبر وتحمّل.
نعم لازال أمامنا الربع الساعة الأخیرة فی المخاض التونسی، فالرئیس وفی حرکة یائسة أوکل صلاحیاته قبل فراره الى وزیره الاول، وهناک سیناریوهات دولیة قد تحاول الالتفاف على الحصاد الثوری للشعب التونسی، لکن ثقتنا فی شعب تونس الواعی ونخبته السیاسیة المجربة والتی اتخذ بعض قادتها قرارا بالعودة من المنافی الى تونس لیکونوا فی قلب اللحظة التاریخیة حتى تزهر ربیعا دیمقراطیا فی شتاء لم یعهد له العالم العربی نظیرا.
والسؤال العریض الذی یطرح نفسه هو: هل ستکون تونس هی قاطرة الحراک الثوری فی العالم العربی؟ هل هی بدایة المخاضات فی أکثر من بلد عربی؟
تلک آمالنا وآمال کلّ الأحرار..فتحیة لتونس وتحیة لشعبها الأبی وتحیة لشهدائها الأبرار.
ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.