04 May 2011 - 00:40
رمز الخبر: 3362
پ
عضو الهیئة العلمیة فی مرکز أبحاث العلوم والثقافة الإسلامیة :
رسا / حوارات ـ هذا الحوار یناقش مسألة محوریة فی علوم التربیة وهی مدى توقف عملیة التربیة على نقطة ارتکازیة، ویذهب المحَاوَر فی عرض مختلف التوجهات التربویة بما فیها تلك التی تقول بإمكان تقدیم جمیع القیم والفضائل الأخلاقیة فی عرض بعضها ، فکل الصفات الفاضلة مترابطة ومتأثرة ببعضها ، والمهم هو المحافظة علیها جمیعاً وعدم الإخلال بها کمنظومة منسجمة .
الفرق الرئیسی بین منطق الحیاة الغربیة وبین منطق الحیاة الدینیة یکمن فی الواجب الرئیسی

 

ذکر مراسل وکالة رسا للأنباء أن هناک عدة مدارس فی التربیة الأخلاقیة یمکن أن نعنون البحث من خلالها إلى استرتیجیات مختلفة . فی القسم الأول من الحوار مع حجة الإسلام محمد عالم زادة عضو الهیئة العلمیة فی مرکز أبحاث العلوم والثقافة الإسلامیة توجهنا إلى توضیح التربیة الأخلاقیة ، وبیّـن أنها مفهوم انتشر حدیثاً ، والمشهور قبله هو تهذیب النفس والتزکیة الأخلاقیة ، ثم راج شیئاً فشیئاً مصطلح التربیة الأخلاقیة فی المجتمع الإسلامی نتیجة للتأثر بالفکر التربوی للمفکرین الغربیین . والمقصود من التربیة الأخلاقیة هو تعلیم الأصول والقیم الخیّرة والسعی لتنمیة فضائل الأخلاق. وتطرق الحوار  لمسألة محوریة فی علوم التربیة وهی مدى توقف عملیة التربیة على نقطة ارتکازیة، ویذهب المحَاوَر فی عرض مختلف التوجهات التربویة بما فیها تلك التی تقول بإمكان تقدیم جمیع القیم والفضائل الأخلاقیة فی عرض بعضها ، فکل الصفات الفاضلة مترابطة ومتأثرة ببعضها ، والمهم هو المحافظة علیها جمیعاً وعدم الإخلال بها کمنظومة منسجمة .

 

 

رسا ــ أی نظریات أخرى تطالعنا فی حیز التربیة الأخلاقیة ، وإلى أی أصول تستند ، وعلى ماذا تؤکد ؟

المنهج الثالث الذی یمکننا التنویه إلیه هو الاتجاهات المستندة إلى الاخلاق الفردیة ، إذ یمکن تحدید اتجاهات لدى العلماء والتربویین تجعل مرکز ثقلها النشاطات التربویة فی مجال الأخلاق الفردیة ، ثم تختار أحد عناصر تلک الأخلاق کمحور للعملیات النفسیة ، وقد اختاروا عدة اتجاهات منها الکرامة ومعرفة الذات والاعتدال ومرکزیة العمل.

الشهید مرتضى المطهری (قدس سره) رکز على الکرامة الإنسانیة واعتبرها العنصر الأساسی والمحور الأصلی للأخلاق والتربیة الإسلامیة ، قال فی کتابه فلسفة الأخلاق : فی الأخلاق الإسلامیة محور أو بتعبیر آخر نقطة من روح الإنسان ، وهی ما وضع الإسلام یده علیها لإحیاء الأخلاق الإنسانیة ولهدایة الإنسان إلى ضفاف السمو ، ألا وهی الکرامة وعزة النفس ، ففی الأخلاق الإسلامیة هناک موضوع یمکن جعله محوراً وأساساً لجمیع التعالیم الأخلاقیة ، ولم یرکز فی الآثار الإسلامیة الخالدة ـ وفقاً لاستقرائنا ـ على موضوع کمحور وأساس مثل ما رکز على کرامة النفس وعزتها واحترامها ، فقد أولاها أهمیة بالغة ، وعبر عن ذلک بالاستفادة من کلمة النفس کما فی : أکرم نفسک عن کل دنیة . فعلى کل شخص أن یقف على قیمة ومنزلة نفسه ، ویعلم أی جوهرة ثمینة وُهب إیاها ، وعند ذلک لن یستهلک هذه الثروة العظیمة فی أمور حیوانیة دنیئة ، وسیصونها من کل الأخلاق والصفات البهیمیة.

وإذا استطاع المربی والمرشد أن یزرع إحساس الکرامة والعزة فی نفس من یشرف على تربیته فسیحرره من عمدة الشهوات الحیوانیة ، ولکن إذا لم یحس الشخص بقیمته وعظمته ، ولم یر لنفسه شخصیة ولا شرفاً فقد خسر کل شیء وتهیأ لأن یرتکب أی زلة ومعصیة.

البعض الآخر اعتبر معرفة النفس أساساً ومحوراً للأخلاق الفردیة استناداً إلى آیة {علیکم أنفسکم} وغیرها من الآیات والأحادیث الکثیرة.

أما الأخلاق الفلسفیة الأرسطیة فی هذا المجال فقد اتخذت اعتدال الشخصیة الإنسانیة محوراً ، ودعت الإنسان إلى انتهاج سلوک متوازن.

النظریة الأخرى هی نظریة محوریة العمل ، حیث اختار بعض الأساتذة والعلماء العمل کمحور للتدابیر التربویة ، ورکزوا جل سعیهم وجهودهم علیه وعلى الاستقامة . ومن الطبیعی أن تختلف زاویة نظرهم وتعابیرهم فی الموضوع ، فإضافة إلى الترکیز على العمل یمکننا أن نشاهد لدى أصحاب هذا الاتجاه مصطلحات أخرى مثل : الإرادة والعقل، ومخالفة الهوى، والجهاد الأکبر، والتقوى والصبر، وتأدیة الواجب.

وهناك اتجاه آخر یرى أن جمیع الأمور تبدأ من تعزیز الإرادة ، فإذا أردنا أن نتخذ الإرادة الإنسانیة محوراً للعملیة التربویة فعلینا البدء بتسلیط ضوء ساطع علیها فی عملیات نفسیة موسعة ، ومن هذا السبیل نؤسس ممراً إلى بقیة الفضائل الأخلاقیة ، فالإرادة أساس للأخلاق وهی تشرع منها ، ولابد من الإرادة الإنسانیة کشرط لازم لبلوغ سمو أخلاقی معنوی.

وثمة مجموعة أخرى من المفکرین أکدت على دور العقل فی تربیة الإنسان ، واعتقدت أن التطور فی شخصیة الإنسان إنما یبدأ من تقویة عقله ، فجمیع الفضائل الأخلاقیة هی جنود للعقل ، وکل الرذائل هی جنود للجهل ، وحدیث جنود العقل والجهل یرسم صورة فنیة لنظام الفضائل والرذائل الأخلاقیة على أساس العقل والجهل ، وإذا ما قویت جذور جمیع الفضائل استناداً إلى هذه الرؤیة فلا یصعب بلوغ الفروع والأغصان ، وستسیر عملیة تربیة الإنسان بثبات أکثر فی سبل سهلة معبدة.

 

رسا ــ ما هو الفرق بین المنظومة الفکریة للإسلام وتربیته وبین الفکر الغربی ؟

الفرق الرئیسی بین منطق الحیاة الغربیة وبین منطق الحیاة الدینیة یکمن فی الواجب الرئیسی ، فالإنسان الغربی یسعى نحو لذة أکبر وإشباع أکثر لرغباته ، أما الإنسان الدینی فهمّه أن یؤدی واجبه . ومن أجل أن یصلوا إلى هدفهم الأساسی وهو التلذذ یسعون إلى أن یمزجوا اللذة بکل أعمالهم ، مثلا یبدلون الدراسة والعمل إلى نوع من التسلیة الباعثة على اللذة والنشاط والمتوافقة بنحو کامل مع میولهم وغرائزهم ، أما فی الحیاة الدینیة فاللذة لیست قطب الرحى ، ومن الممکن أن یصادف الإنسان تکلیفاً وواجباً ثقیلا ومخالفاً لرغبالته وهکذا الحال دائماً ، ولذلک اشتق التکلیف من مادة الکلفة ، وعلى الإنسان الدینی أن یربّى بنحو یمکنه من العمل بسهولة خلافاً لأهوائه ووفقاً لأداء واجبه ، وأن یتجاوز الضغوط الغریزیة دون مشقة.

قد یؤدی الإنسان المؤمن أعمالا باعثة على اللذة ولکن لیس بدافعها بل من أجل انجاز واجبه ، لأنه لو کان بدافع اللذة فقط فهو عمل حیوانی ، کما یمکن أن یکون الواجب باعثاً على اللذة والمسرة ، وعلى فرض أنه لیس کذلک فالإنسان المؤمن لا یترکه ولا یصرف نظره عنه ، ولکن الإنسان الغربی سرعان ما یتخلى عنه لأنه یفتقر إلى اللذة ، ولأن دافع الإنسان المؤمن هو أداء واجبه فإذا لم یر رسالة ومسؤولیة فی مسیرته فسیشعر بالخواء والحیوانیة.

کلنا على علم بمنطق محوریة الواجب فی وصایا الإمام الخمینی الراحل (قدس سره) ، وأول کتابة سیاسیة له تبدأ بموعظة الله تعالى فی قوله :{قل إنما أعظکم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى}، فالعمل بالوظیفة عمل على أساس تشخیص العقل ومعرفته ، وهو مستقى من الإحساس بالرسالة والالتزام ، ویسمو بالإنسان على البهیمیة وحدودها.

 

رسا ــ آیة الله الشیخ بهجت (قدس سره) أحد الشخصیات البارزة فی الأخلاق والسیر والسلوک إلى الله تعالى فی العصر الحاضر ، وکلماته مثال یسیر الطلاب على هدیها لتهذیب النفس وتربیة الآخرین ، ما هو العامل البارز فی السیرة العلمیة والعملیة لهذا العارف النورانی ؟

هناک شواهد کثیرة وصریحة على منهج محوریة العمل فی تعالیم المرحوم آیة الله بهجت ، وأساس الکلام التربوی لهذا المعلم الکبیر هو العمل بالعلم . ومحوریة العمل فی کلامه ناشئة من اختیار استراتیجیة معینة ، کأنه لا یرى لتطور الإنسان قانوناً أفضل من الإحساس بالمسؤولیة واستثمار قواه الإنسانیة.

والمشکلة الرئیسیة للتربیة برأیه لیست فی عدم معرفة السبیل ، لأنها واضحة ولا حاجة بنا لتعلم وتلقی الدلیل علیها ، بل هی فی ضعف الإرادة واتباع الهوى ، ویجب أن تزال ، کما یجب العمل بإخلاص بما هو جلی وواضح.

قال آیة الله الشیخ بهجت (قدس سره) : نسأل السادة طلاب المواعظ : هل عملتم إلى الآن بما سمعتموه من وعظ وإرشاد أم لا ؟ وإذا کان عدم عملکم بما تعلمون اختیاریاً فهل من المناسب أن تتوقعوا ازدیاد علمکم ؟

هناک جماعة ترى أن الوعظ والخطابة والمحاضرات مقدمة لعملیات مناسبة ، ویتعاملون معها معاملة ذی المقدمة ، وکأن الأمر هکذا : لیقولوا ویسمعوا من أجل أن یقولوا ویسمعوا ! وهذا خطأ ، لأن التعلیم والتعلم مناسبان للعمل ولیسا مستقلین،  فاعمل بما تعلم ، وما لم تعلمه ستکفى العمل به.

 

رسا ــ مع وجود مدارس متنوعة فی مجال التربیة الأخلاقیة ولکل منها منهجه المختلف ، نرجو أن تبینوا إلى أی المصادر تستند تلک المناهج ، ولماذا اختیرت کمناهج تربویة ؟

تعتقد تلک المناهج أنها تستند إلى المصادر الدینیة ، وتحاول أن تثبت وجودها باستخدام قرائن من الآیات القرآنیة والروایات.

والظاهر أن استناد هذه المناهج إلى القرآن والحدیث لیس أمراً شاقاً لو أخذ کل منها بمعزل عن الآخر ، ولکن المشکلة الرئیسیة تکمن عند الجمع بین أدلة هذه المناهج . ومما لاشک فیه أننا لو أخذنا نقطة مرکزیة واعتبرناها ضروریة فی العملیة التربویة فکل واحد من تلک المناهج تثبت نقطة معینة بالدلالة التصریحیة ، وتنفی أخرى بالدلالة الالتزامیة ، فهذه المناهج لا تتلاءم مع بعضها أبداً ولا یمکن الجمع بینها،  وإذا کانت کذلک فلا نستطیع أن نحتمل صدق الجمیع ، ولابد من حل للموضوع.

نظیر هذه المشکلة نراها فی استعمال صیغة أفعل التفضیل فی روایات الأخلاق ، إذ لها دور أساسی فی تصنیف الصفات الأخلاقیة.

لو أردنا أن نبلغ نظرة الإسلام إلى النقطة المحوریة للنشاطات التربویة ، ونتابع السیاسات الکلیة لعملیات تطور الإنسان فی المصادر الدینیة فلا شک أننا سنتجه إلى (الأفضل) ، فصیغ التفضیل هذه أحسن حل للجواب على هذه المعضلة ، لأن لها مصداقاً واحداً وظهورها الأوّلی یحصر الأفضلیة فی مورد معین من موارد متعددة ، ولکن الانبهار والتحدیات الزمنیة أوجدت لها ـ على غیر المتوقع ـ مصادیق مختلفة ومتنوعة على لسان الروایات.

حل هذه المسألة فی الروایات الأخلاقیة یتطلب جهوداً علمیة من سنخ البحوث الأصولیة ، والظاهر أنه مثلما لقیت صیغة الأمر (افعل) اهتماماً فی أصول فقه الأحکام ینبغی أن تلقى صیغة (أفعَل) فی أصول فقه الأخلاق وفقه التربیة البحث والاستقصاء العلمی اللازم لها.

فمثلا لو أردنا أن نعیّن ونوصی بأهم وأفضل عمل فی مجال التربیة على أساس منهج محوریة العمل فعلینا أن نبحث فی الآیات والروایات عن مفردات کأفضل الأعمال ، وأشرف الأعمال ، وخیر العمل ، وأحب الأعمال إلى الله ، وما عبد الله بشیء أفضل من...

طبیعی أن نتوقع مواجهة أکثر من مصداق واحد ، وعلى الرغم من ذلک سنجد عدة أجوبة تصرح بأن أفضل الأعمال جاءت مختلفة فی الروایات ، وهی عبارة عن الإخلاص ، والإحسان إلى أسرة الرسول (صلى الله علیه وآله) ، والعمل الصالح المستمر ، والتقوى من الذنوب وغیرها.

 

رسا ــ وعلى کل حال لابد من حکم نهائی لیعرّف لنا الاتجاه الأمین والأصح منها..

نعم ، کما لاحظنا أن فی الخط العام للعملیة التربویة و الافصاح عن محور تمرکزها هناک اتجاهات مختلفة ومتعددة ، وقد اعترفت المصادر الدینیة بهذا الاختلاف وأیدته ، أی أن تنوع الوصایا فی القرآن الکریم والروایات یسمح بهذه الاستنتاجات المتعددة ، وإذا أردنا أن نغض الطرف عن هذه المناهج ونتجه إلى المصادر الدینیة لنبحث إجابة هذا السؤال فسنعثر على کثیر من البیانات المتنوعة،

قبل السعی فی حل المسألة لا بد من التنبیه على معرفة أهمیة اختلاف الآراء وکیفیة الاستفادة منها ، وعلى الرغم من أنه قد یبعث على الحیرة لأول وهلة إلا أنه لا یمکن نکران ما ینطوی علیه کل اتجاه من دقة واهتمام خاصین ، ومجموع هذه الملاحظات والاهتمامات سیساعدنا کثیراً فی تشکیل النموذج النهائی الکامل ، أی لو کان لدینا اختیار وجواب واحد لهذا السؤال فسنحرم من ملاحظات کثیرة ولن نکوّن صورة کاملة عن الأجواء التربویة ، ولربما سنخفق فی تقدیم مشروع جامع بدیل ، أما الآن فقد انجلت لنا زوایا الموضوع المختلفة وغدا أکثر وضوحاً مما یمکـّن الذهن من مواجهة أنواع الاحتمالات بکفاءة أکثر.

کما لا یمکن الإنکار أیضاً أن یکون الجواب النهائی فی طیات هذه الاختیارات ، ولو کان هناک موضوع آخر له دور رئیسی فی مجال التربیة ویستحق الوقوف عنده لتصدى لاستکشافه خبراء هذا العلم وأشاروا إلى ذلک ، ومن الصعب أن نفرض أن العامل الرئیسی والعنصر الاستراتیجی للتربیة ظل خافیاً عن أنظار وأذهان المعلمین الکبار ، أو لم یصل إلینا.

وإذا استطعنا أن نتخذ أحد هذه الاختیارات بعد دراسة وبحث کافیین على أنه الموضوع النهائی مع الشواهد والقرائن اللازمة فالطریق قصیر أمامنا ، ولکن إذا فرضنا أن أکثر من اختیار واحد یمکن الاستفادة منه فلابد من رفع الید عن الإطلاق والعموم لکل ادعاء وأن نفسره بنحو نسبی ، مثلا نخصص کل واحد منها بمخاطب أو بسن ومرحلة معینة والخروج بشکل أکثر شمولیة من الجمع والتلفیق بینها.

الملاحظة الأخرى أن بین هذه المناهج نقاطاً مشترکة بنحو وآخر ، ولعل کثیراً من الاختیارات یمکن إرجاع بعضها إلى بعض ، وهذا هو فن المحقق إذ یتمکن من التحلیل المفهومی لهذه الاختیارات أن یزیح الستار عن وجوه الاشتراک ویختزل المسافة إلى الهدف النهائی.

فی مجال الجمع بین هذه المناهج المتنوعة تمکن الإشارة إلى احتمالات أخرى مثل انکار أصل الضرورة المرکزیة والمحوریة ، وتنوع الاستراتیجیات بتنوع مزاج المتربی ، وتنوع الاستراتیجیة وفقاً لأصناف الشخصیات ، والاستراتیجیة المرحلیة مرحلة بعد مرحلة ، والاستراتیجیة التعددیة.

 

رسا ــ نرجو بیان وجوه الجمع بین النظریات والروایات الکثیرة؟

إن انکار ضرورة المرکزیة والمحوریة احتمال لا یرى أهمیة لاحتیاج التربیة إلى نقطة ثقل ورکیزة ذهنیة ونفسیة ، أی نقول بتوافق وإمکان التربیة مع کثرة الوصایا والإرشادات ، فأی ضیر من إعداد فهرس طویل من الفضائل وعرضها على المتربین وتوزیع اهتمامهم فی ذلک القسم على جمیع الصفات الحسنة ؟ إن هذا الأسلوب سیبعث على تنمیة جمیع تلک الفضائل فی روح المتربی على الأمد البعید ، وتوفیر الاستیعاب لجمیع أرضیاتها مما یحتاج إلى عامل الزمان والترسیخ النفسی التدریجی ، کما نلاحظ ذلک فی قصة عنوان البصری الذی طلب الوصیة والإرشاد من الإمام الصادق (علیه السلام) ، فأوصاه بتسعة قواعد تربویة  ونقل عنه أیضاً عمار بن مروان توصیات رباعیة أیضاً ، کما تلاحظ وصایا عدیدة أخرى فی بعض الروایات.

وعلى کل حال لو سلمنا بأن عملیة التربیة لا تحتاج إلى نقطة ارتکازیة وبإمکان تقدیم جمیع القیم والفضائل الأخلاقیة فی عرض بعضها ، فحینئذ سیکون إصرار أصحاب المناهج المذکورة على موضوع معین بأنه مرکز النشاطات التربویة مجرد نزعة ذوقیة خالیة من الدعم العلمی ، ولذلک علینا الأخذ بید مخاطبینا من المتربین إلى شمولیة الشخصیة ، وکلما رجحنا فضیلة خاصة بأسلوب أحد تلک المناهج فیجب مباشرة بیان کون هذه الفضیلة إنما هی واحدة من أشیاء کثیرة ینبغی وجودها فی الشخصیة الجامعة للإنسان المهذب المؤمن ، وإثبات شیء لا یدل أبداً على نفی ما عداه.

وعلى هذا الأساس یجب الترجل عن المعنى الظاهری لأفعال التفضیل الواردة فی الروایات المذکورة وحملها على مطلق الفضیلة لا على الأفضلیة ، وقرینة هذا العدول عن المعنى الظاهری هی الجمع بین الأدلة ، أی أننا نرفع الید عن المعنى الظاهری بسبب وجود الروایات المتعارضة.

تنوع الاستراتیجیة بتنوع مزاج المتربی احتمال آخر یوضح احتیاج التربیة إلى نقطة تأکید مرکزیة ، ولکن نتیجة لکثرة المخاطبین واختلاف أمزجتهم سنضطر لقبول تعدد المناهج وتنوع الاستراتیجیات التربویة ، أی نعتبر المتربین مختلفین ونبدأ مع کل واحد منهم مما یناسبه ، وعلى المربی بما اسکشفه من حالات مخاطبه الروحیة أن یختار استراتیجیته التربویة ویشخص النقطة المحوریة فی نفس مخاطبه ببراعة إداریة ، فالتربیة هنا نموذج لم یعینه أحد من قبل ، ولذلک لا یتابع المربی والمرشد موضوعاً معیناً على أن له الأولویة فی جمیع الموارد.

وعلى کل حال إذا سلمنا بوجه الجمع هذا ونقول بأن کل متلقی ینبغی أن یعامل بما یتلاءم مع نفسیته وذوقه وفقاً لمنهج تربوی ، فحینئذ سیکون لکل منهج مخاطب خاص ولا یوصى به لشخصیات أخرى ، فعلى أساس خصائص کل مخاطب یجب على المربی والمرشد أن یختار منهاجاً معیناً ویوصی بالعمل به ، ووفقاً لهذه النظریة من الطبیعی أن لا تنحصر الاستراتیجیة التربویة بهذه الموارد ، وأن تتغیر استناداً إلى تقدیر المرشد ، وعلى هذا النحو ینبغی التوصل إلى أن سر اختلاف الروایات الواردة إنما هو لاختلاف المخاطبین.

تنوع الاستراتیجیة وفقاً لأنواع الشخصیات احتمال آخر بأن نفرض عدة مناهج تربویة کلیة، ونقسم البشر إلى مجامیع استناداً إلى خصائصهم الشخصیة ونجعلها تخضع لتلک المناهج ، فمثلا نحصر الاستراتیجیة التربویة بثلاثة اتجاهات:  محوریة العمل ، ومحوریة المعرفة ، ومحوریة المحبة ، ونقسم المتربین على أساسها ، أو نوصی بثلاث استراتیجیات مبنیة على الأخلاق الفردیة وأخلاق العبودیة (الطاعة والامتثال) والأخلاق الاجتماعیة لعدة مجموعات مختلفة . والفرق بین هذا الاحتمال وما قبله هو أن الاستراتیجیات التربویة فی الأخیر محدودة کثیراً ، ولکنها فی الاحتمال السابق کثیرة متعددة.

أما الاستراتیجیة المرحلیة مرحلة بعد أخرى فهو احتمال تحتاج فیه العملیة التربویة إلى مرکز ثقل یکون متعدداً ومتنوعاً على أساس اجتیاز مراحل النمو ، أی أن المرشد یغیر أسلوبه التربوی لمن یشرف على تربیته لکی یتناسب مع وضعه ، فمثلا من کان فی أول مراحل نموه فهو یحتاج إلى منهج محوریة العمل ، وفی المرحلة التالیة یحتاج إلى منهج محوریة المعرفة وهکذا...

الاستراتیجیة التعددیة اللغزیة أخیر احتمال فی الموضوع ، وهنا لا یکتفى بعدم إنکار أصل المرکزیة فحسب بل یؤکد على ضرورته أیضاً ، کما یرى جمیع الأهداف التربویة مهمة وفی عرض واحد ، ثم یختار أحد هذه الأهداف بما یتناسب مع حاجة الفرد أو المجتمع وفقاً لاستراتیجیة تستند إلى مرکزیة الأوضاع ومقتضیاتها فی مراحل زمنیة مختلفة، مثلا نستطیع بهذه الاستراتیجیة أن نرکز کل مرة على موضوع معین لبناء الذات أو تربیة الأسرة أو التأسیس لثقافة اجتماعیة ، والقیام بحملة إعلامیة واسعة مکثفة لتعزیزه ، ونکرر تلک العملیات النفسیة حتى الوصول إلى الأهداف المنشودة . الأهداف التربویة کأجزاء لغز واحد کلها ضروری من موقعه ولا یوجد تقدم وتأخر ملحوظ بینها ، فمن أینما نبدأ علینا بتغطیة جمیع الأرضیات ولا نسقط شیئاً من حساباتنا.

وفقاً لهذه الرؤیة ینبغی أن نقف على جزئیات الهندسة الشخصیة ، وفی أی حین نواجه مشکلة ترتبط بأحد مکونات الشخصیة علینا أن نبادر فی الوقت ذاته إلى اتخاذ ما یحلها کنقطة معینة صغیرة فی خارطة کلیة کبیرة ، أو کمرحلة من مشروع عظیم ، لکی نوفر الشمولیة والدقة اللازمتین للبرنامج التربوی برؤیة منظمة واهتمام واسع النطاق.

ینادی البعض بمفهوم قیمی ویؤکدون علیه ویروجون له لأشهر وأعوام ، وهذا الأسلوب یصب فی ذلک الرافد لفهم النشاطات التربویة وعملیة التطور، ولو اتبع هذا الإجراء جیداً خطوة فخطوة واستمر العمل به فسیساهم بنحو فاعل فی إزالة الأضرار التربویة ، وفی وتطور جوانب الشخصیة الإنسانیة على جمیع الأصعدة.

وعلى أساس هذه النظرة أیضاً فإن المناهج التربویة المذکورة لا تتعارض ولا تتنافى مع بعضها ، بل یمضی کل منها بعزم وإصرار على تغطیة جانب من الأرضیة التربویة . کما یصرف النظر عن المعنى اللغوی لأفعل التفضیل فی الروایات المذکورة ، ویحمل على المعنى الوصفی ، وهو ثبات الشیء لا نفی ما عداه.

وبعبارة أخرى : رکز الأئمة المعصومین (علیهم السلام) فی کل مرة على موضوع معین بما یناسب الظروف والمرحلة التاریخیة والجغرافیة وحاجات المخاطبین مع إجراء برنامج إعلامی خاص به ، أما الیوم وقد جمعت المناهج فی مکان واحد مما یبدو وکأنه نوع من التعارض وعدم التوافق ، فی حین أن کل هذه الفضائل ضروریة لتربیة الإنسان ، ویجب أن تأخذ حیزها فی شخصیته بمرور الزمان.

الملاحظة المهمة فی هذا الاحتمال هو وجود نوع من الترابط فی المحتوى، ومن التناسق الداخلی فی المعارف والصفات ، فمن أینما نبدأ ستلتحق جمیع المعارف الأخرى بهذا الترابط وتتواصل مع بعضها ، هذا على فرض أنه لا فرق فی نقطة الشروع ، فیمکن لشخص أن یبدأ من الصبر ویحصل عن طریقه على سائر الفضائل أو الأساسیات منها ، أو یبدأ من العقل وینال بقیة الفضائل بتعزیز القوة العقلیة ، أو تمکن البدایة من صفات أخرى ، فکل الصفات الفاضلة مترابطة ومتأثرة ببعضها ، والمهم هو المحافظة علیها جمیعاً وعدم الإخلال بها کمنظومة منسجمة ، فهی کباقة أزهار مجموعة مع بعضها ، وإخراج أی واحدة منها إخراج للجمیع.

 

رسا ــ شکراً جزیلا لما خصصتموه من وقتکم الثمین لوکالة رسا للأنباء.

ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.