28 July 2011 - 02:50
رمز الخبر: 3737
پ
مدیر قسم العلوم السیاسیة لمعهد الثقافة والفکر الإسلامی فی حوار مع وکالة رسا للأنباء :
رسا/حوارات ــ صرح رئیس قسم العلوم السیاسیة لمعهد الثقافة والفکر الإسلامی بأن صاحب الجواهر اعتبر ضرورة الحکومة الشیعیة الدینیة النائبة عن الإمام المعصوم (علیه السلام) من الأمور البدیهیة فی عصر الغیبة .
الفکر الفقهی لصاحب الجواهر متمرکز بثبات على الحکومة والولایة
ذکر مراسل رسا للأنباء أن واحداً من أشهر فقهاء الشیعة هو الشیخ محمد حسن النجفی صاحب کتاب (جواهر الکلام فی شرح شرایع الإسلام) الذی یعد دائرة معارف للفقه الشیعی ونصاً محوریاً أساسیاً تدور حوله الحوارات والبحوث الفقهیة فی الحوزات العلمیة بحیث إن أی فقیه الیوم لایرى نفسه مستغنیاً عن هذا الکتاب النفیس .
کان لصاحب الجواهر تلامیذ عدیدون نشؤا فی مدرسته الفقهیة الزاخرة ، وغدت حوزته الدراسیة مرکزاً لاجتماع الفضلاء والعلماء من کل مدینة وبلاد ، حتى قیل إنه لاوجود لمدینة یقطنها الشیعة لم یذهب إلیها أحد تلامذته بصفته مرجعاً لأمور الناس الدینیة .
وفکر صاحب الجواهر على درجة من العمق والشمول حتى إن الإمام الخمینی (قدس سره) کان یؤکد بنحو متواصل على الفقه الجواهری ویوصی باتخاذه محوراً أساسیاً فی الحوزات العلمیة .
وبمناسبة ذکرى وفاة هذا المرجع المشهور فی الأول من شعبان إلتقینا حجة الإسلام السید سجاد ایزدهی مدیر قسم العلوم السیاسیة فی معهد الثقافة والفکر الإسلامی ومؤلف کتاب الفکر السیاسی لصاحب الجواهر للبحث عن الفکر الفقهی السیاسی لهذا العالم الشیعی الکبیر ، تفاصیل هذا اللقاء سنقدمها فیما یأتی لقراء وکالة رسا للأنباء .

رسا ــ نرجو بیان دوافعکم من تألیف کتاب الفکر السیاسی لصاحب الجواهر ؟
فی سنوات سابقة نشر السید جواد الطباطبائی موضوعاً أعرب فیه عن ضمور الفکر السیاسی لدى الفقهاء والفلاسفة الإسلامیین ، فانبرت مجموعة من الباحثین لتجمیع الأفکار السیاسیة للفقهاء والفلاسفة وعلماء الکلام والعرفاء الشیعة ، وتقدیم إجابة مناسبة عن هذه الشبهة ، وفی هذا الإطار اخترت أن أبیّـن الفکر السیاسی للمرحوم صاحب الجواهر وللملا أحمد النراقی فی کتابین مستقلین .
تأثیر هذه المجموعة من الکتب کان کان بنحو أن السید الطباطبائی ذاته استند إلیها فی کتاباته اللاحقة وصحح رأیه .
ولأن عرض فکر صاحب الجواهر على درجة عالیة من الأهمیة ، ودائماً ما أکد علیه الإمام الراحل (قدس سره) فقد بذلت قصارى جهودی لأقدم بحثاً لائقاً ، ولذلک تغیر تصمیم الکتاب أربع مرات ، وقد قـُبل التصمیم الأخیر منها ، وعُد محوراً للأعمال اللاحقة .

رسا ــ کمقدمة للدخول فی البحث نرجو أن تذکروا نبذة عن شخصیة صاحب الجواهر والمرحلة الزمنیة التی عاش فیها .
الشیخ محمد حسن النجفی المعروف بصاحب الجواهر من أعظم فقهاء الشیعة ، وقد دون فی القرن الثالث عشر الهجری دائرة معارف فقهیة کبیرة باسم جواهر الکلام جاءت بعد جهود متواصلة لیلا ونهاراً لاثنین وثلاثین عاماً ، وبذلک خلد اسمه فی الفقه الشیعی ، ووفقهاؤنا الیوم لایستغنون عن الرجوع إلى کتابه فی استنباطاتهم .
والقرن الثالث عشر الهجری من المراحل الزمنیة المشحونة بالاضطرابات والأزمات فی البلدان الإسلامیة ، حیث وقعت فیه حوادث کثیرة ساهم کل منها بنحو فاعل فی تشکیل شخصیة صاحب الجواهر ، منها : منازعات الحکومة الصفویة مع العثمانیین على العراق والعتبات المقدسة وقد استمرت مایقارب قرنین وأدت إلى تدمیر العراق ، وفتنة الوهابیین القادمین من المملکة العربیة السعودیة وهجومهم على مدن وقرى العراق ولا سیما مدینتی کربلاء والنجف ، والمشادات الطویلة بین الأصولیین والأخباریین التی بدأت بزعامة المرحوم الوحید البهبهانی وتکشفت عن غلبة الأصولیین .
وبناء علیه وبعد مرحلة الرکود الذی أصاب حرکة الفقه والأصول فی حوزة کربلاء عقب وفاة شریف العلماء سنة 1245هـ ، وعلى اثر اضمحلال المرکزیة العلمیة لمدینة کربلاء ، یمم الطلاب وجوههم صوب النجف لیحضروا درس صاحب الجواهر الذی اجتذبهم بأسلوبه الجمیل وفکره الواسع ، کما تمکن الإشارة إلى سبب آخر لهجرة الطلبة إلى النجف ألا وهو هجوم الوهابیین على کربلاء من جهة ، واعتداءات الدولة العثمانیة علیها من جهة أخرى .
ویجب الإذعان بأن کتاب الجواهر در نادر ، وقد وصفه الإمام الخمینی (قدس سره) بأنه معجزة ، لأن شخصاً واحداً أنجز عمل مئة فقیه ، والأعجب من ذلک أن مدة تألیف کتاب الجواهر استغرقت ثلاثین عاماً إلا أن أول جزء من هذه المجموعة لایختلف مع آخر جزء منها ، وأسلوبه فی الشروع بالبحث والانتهاء منه قائم على حاله ولم یتغیر ، مما یدل على اتقانه ومقدرته العلمیة .
نقل أنه فی زمن صاحب الجواهر تصدى ثلاثون شخصاً فی نفس الوقت لشرح کتاب شرایع الإسلام ، لکن الشخص الوحید الذی لاقى کتابه استقبالا عاماً هو صاحب الجواهر .
ومن ممیزات کتاب الجواهر تمکن الإشارة إلى : شموله لجمیع أبواب الفقه ، وکثرة التفرعات الدقیقة جداً ، والنقل الدقیق لأقوال الآخرین ، والنقد العلمی الجاد لآراء الفقهاء السابقین .
والیوم وعلى الرغم من مرور مئة وخمسین عاماً فأن کتاب الجواهر مازال مشتملا على فروع دقیقة تسترعی اهتمام الباحثین فی العلوم الإسلامیة ، والجدیر بالذکر أنه ینقل بدقة أقوال الفقهاء فی مختلف البحوث الفقهیة فی وقت کان یصعب فیه الحصول على مصادر التألیف .
منهجه یستند من جهة إلى الأصول والسنة ، وهو من جهة أخرى بعید الغور ، ذو مقومات حیة ، ویتضمن فی الوقت ذاته کثیراً من بحوث السیاسة والفقه السیاسی . وقد استقطب فی الوقت الحاضر اهتمامات واسعة النطاق حتى إن الإمام الخمینی (قدس سره) صرح فی هذا المجال بأن على الحوزات العلمیة ان تتبع خطوات الفقه الجواهری فی أسالیب تدریسها وبحوثها ولایجوز التخلف عن ذلک .

رسا ــ تفضلوا ببیان الفکر السیاسی لصاحب الجواهر .
هناک منهج باسم ایزوتسوئی یبین أنه إذا أردنا الحصول على مفاهیم معینة فیجب إرجاعها إلى المفهوم الأصلی ، واستناداً إلى هذا المنهج یمکن القول بأن صاحب الجواهر اعتبر النقطة الأساسیة هی الإسلام ، والنقطة الأساسیة للفقه هی الولایة ، وبعبارة أخرى : إن الخصوصیة البارزة للفقه هی محوریة الولایة ، بل کثیر من بحوثه قائم على جعل الحکومة محوراً له ، أی إنه لایتحقق إلا فی ظل الحکومة .
ولم یعتبر صاحب الجواهر السیاسة کوسیلة لتحقیق الأهداف ، بل کان ینظر إلى السیاسة على أنها الدین نفسه ، ویمکن أن نعثر على تعبیر السیاسة الدینیة فی أدبیاته ، قال فی بحث صلاة الجمعة : إنها جملة سیاسات یجب على الفقیه تنفیذها وعلى الناس مساعدته فی ذلک .
وفی مجال النظام السیاسی قسم الحاکم إلى أربعة أقسام : الحاکم الأولی الأصلی ، وهم الأئمة المعصومون (علیهم السلام) ، ولأنه متفهم للواقع السیاسی فقد فرض فی عصر الغیبة عدة حکومات ، فإما حاکم فقیه وحکومته مشروعة ، وإما حاکم جائر ، فإذا کان شیعی المذهب فیسمى حاکم موافق ، وإذا کان من سائر المذاهب فیسمى حاکم جائر مخالف .
وذکر هذا الفقیه الشیعی الکبیر لکل واحدة من الحکومات الأربعة أنظمة خاصة بها ، وأوصى بالتعامل معها على النحو الآتی : فبعد أن أکد الفقهاء على عدم مشروعیة وحرمة الرجوع إلى الحاکم الجائر قدموا ثلاثة طرق رئیسیة فی کیفیة التعامل معه والتصدی للحکومة فی مجال الحیاة السیاسیة للشیعة ، الأول : الاستفادة من أسلوب التقیة وإخفاء عقائدهم الحقة عند اشتداد بأس الحکومات الجائرة الظالمة وعدم سماحها للشیعة ولعلمائهم بممارسة نشاطاتهم والإفصاح عن معتقداتهم . الثانی : التعاون مع حکام زمانهم والترویج لأصول التشیع وتنفیذ بعض الأحکام الفقهیة مع المحافظة على أنفسهم ونفوس الشیعة من الأخطار فی أوضاع الأمان المتوفرة . الثالث : أن یقوموا بأنفسهم بتأسیس نظام ولائی والنیابة عن الإمام المعصوم (علیه السلام) عند إمکان ذلک وحیازة القدرة الکافیة علیه .

رسا ــ بحث ولایة الفقیه فی الفکر الفقهی لصاحب الجواهر بحث مرموق جداً ، ماهی أدلته على إثبات هذا الموضوع ؟
على الرغم من أن صاحب الجواهر لم یخصص بحثاً بولایة الفقیه وعنون مثل هذه البحوث فی کتاب الجهاد ، لکنه اعتبر ضرورة وجود حاکم فی زمن الغیبة لمتابعة أمور الشیعة أمراً جلیاً لایحتاج إلى دلیل ، وبعبارة أخرى : اعتبر ضرورة الحکومة الدینیة للشیعة ونیابتها عن الإمام المعصوم فی عصر الغیبة أمراً مفروغاً منه ومسلماً به .
واستند صاحب الجواهر لإثبات ولایة الفقیه إلى عبارة المرحوم الکرکی بأنه کلما ورد ذکر الحاکم فی الفقه فالمراد منه الولی الفقیه ، وهذا مجمع علیه بین الفقهاء الشیعة .
وبعد بداهة ولایة الفقیه عرض صاحب الجواهر عدة أدلة لتأکید إثبات هذا الموضوع ، وقال بأن الرجوع إلى الحاکم الجائر نهت الروایات عنه ، وتحقیق هذا الأصل فی زمن الغیبة متوقف على قیام الحکومة الإسلامیة .
وقال فی بحث الحدود بوجوب عدم تعطیلها ، وإقامة الحدود لایتحقق إلا فی ظلال الحکم ، ولذا یجب أن تتشکل حکومة دینیة لنتکمن من إقامة الحدود .
وأثبت صاحب الجواهر ولایة الفقیه بالروایات والعقل والإجماع ، وأکد أنه على الرغم من ضعف السند أو المضمون لبعض الروایات ولکنها جمیعاً تثبت موضوعاً مسلماً به ، وکذلک اعتبر من سائر أدلة ولایة الفقیه : إنهاء الخصومات ورفع المفاسد وتطبیق الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر وحفظ حقوق الشیعة .

رسا ــ على أی أصل یرى صاحب الجواهر توقف مشروعیة الحاکم الإسلامی ، وأی صلاحیات یثبتها له ؟
یعتقد صاحب الجواهر أنه فی النظام السیاسی الذی ینشده الشیعة (وهو ولایة الفقیه) أن هرم الحکم یقسم من الرأس إلى القاعدة ، ویکتسب قسم من النظام السیاسی مشروعیته من الأعلى إلى الأسفل ، أی إن مشروعیة النظام السیاسی فی البدایة ترجع إلى مشروعیة ولایة الفقیه ، وهو بدوره یأخذ مشروعیته من جهة أعلى منه ، ومن هنا وکما أن مشروعیة الإمام المعصوم لاتکون بأی نحو من الأنحاء رهناً بقبول الناس وتأییدهم ، کذلک لایرى أن مشروعیة ولایة الفقیه مرهونة بقبول الناس ، على الرغم من أن إعمال سلطة الإمام والفقیه فی مرحلة الفعلیة والتنفیذ متعلقة بإقبال الشعب علیها وتأییده لها .
ویرى صاحب الجواهر استناداً للأدلة الروائیة أن للولی الفقیه جمیع صلاحیات الإمام المعصوم لإرشاد المجتمع وإدارته بنحو سلیم ماعدا أموراً خاصة لأدلة معینة ، ومن هنا وتأکیداً على هذه القاعدة الکلیة فقد ذکر مصادیق کثیرة فی مجال صلاحیات الولی الفقیه منها : الإفتاء والقضاء والحسبة وتوفیر الأمان والتصدی للمحاربین على صعید السیاسة الداخلیة ، وأمور من قبیل الجهاد والدفاع على صعید السیاسة الخارجیة .

رسا ــ ماهی الشروط التی بینها للولی الفقیه ؟
لایتم تعیین الحاکم فی النظام السیاسی للشیعة على أساس الانتماء إلى عرق أو قبیلة أو أصحاب معینیین ، بل على أساس الجدارة القیادیة ، أی ینصّب أجدر شخص حائز للمواصفات الرفیعة المعینة من قبل المعصوم فی عصر الغیبة ، ومنها ماذکره صاحب الجواهر مثل : الاجتهاد والعدالة والثقة والأمانة وتشخیص المصلحة .
ورکز صاحب الجواهر بجدیة کاملة على المصلحة ، وعرف التدبیر بأنه العلم بالمصلحة ومقتضیات الزمان والمکان ومتطلبات المجتمع ، إذ یقع على عاتق الولی الفقیه اتخاذ القرار الأخیر فی تدبیر أمور کالدفاع فی مقابل العدو ودفع المفاسد فی المجتمع وتوفیر الأمان له .

رسا ــ مع أن صاحب الجواهر لم یقدم عملیاً فی زمانه على تحقیق الحکومة الإسلامیة بالترکیز على دور الولی الفقیه ، کیف تحللون طرحه لهذه المسألة ؟
لصاحب الجواهر نظرة واقعیة فی الفقه السیاسی من ناحیة عملیة ، فهو فی مواجهة الحکام الجائرین المخالفین على صعید الواقع ، لکنه مثالی على المستوى الفکری إذ طرح ولایة الفقیه وأعطاه ما للمعصوم من صلاحیات .
وجدیر بالذکر أن من أرکان الفقه هو التقییم الزمنی والمعرفة بالمکان ، وعلى هذا الأساس زج الفقهاء کثیراً من أحکام الشیعة فی دائرة القبض والبسط بناء على مقتضیات الزمان والمکان ، أی إنه فی زمان غیبة الإمام المعصوم وقبض ید الفقیه الشیعی من إدارة أمور المجتمع فأحکام کثیرة یجب أن تلتزم بمصلحة الإبقاء على أساس الشیعة والمجتمع الشیعی ، لذلک یلتجأ حیناً إلى التقیة ، وحیناً آخر إلى التعامل مع حکام الجور ، وأما فی زمان بسط ید الفقیه فسیعهد إلیه بأمور الشیعة ویعتبر ولیاً للأمر .
وفی الواقع لقد حافظ فقهاء الشیعة على صعید الحقوق الأساسیة والفقه السیاسی ومشروعیة الحکومة باب الاجتهاد مفتوحاً على مصراعیه باهتمامهم الدائم بالواقع السیاسی لأزمنتهم .
وبناء على ذلک فعلى الرغم من اعتقاد المجتمع الشیعی بأن کثیراً من الحکومات غیر مرغوب فیها وعدم السعی فی الإطاحة بها ، فإن ذلک لایعد بمنزلة تأییدهم للأنظمة الحاکمة ، أو بمنزلة عدم القصد لإسقاط وتغییر النظام السیاسی .
وتنبغی الإشارة إلى أن بحث صاحب الجواهر المناسب لولایة الفقیه فی هذا الزمان انما یمکن أن نراه فی مجرى عدة أمور من قبیل : توفر الأرضیة الاجتماعیة الملائمة ، وتشکیل الشیعة للغالبیة ورسمیة هذا المذهب فی إیرن ، وقوة نفوذ الفقهاء فی المجتع ، وأفول الاتجاه الأخباری فی سماء الفقه الشیعی ، على الرغم من أن فقهاء کثیرین فی هذا الزمان ـ مثل الملا أحمد النراقی ومیر فتاح المراغی ـ تصدوا لطرح هذه البحوث بنحو مستقل وعرضوا نظریة ولایة الفقهاء العامة .

رسا ــ نشکرک کثیراً على هذا اللقاء وعلى منحنا قسطاً من وقتکم الثمین .



ارسال تعليق
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم:
لن يتم الكشف عن الآراء التي تتضمن إهانات للأفراد أو الإثنيات أو تؤجج النزاعات او تخالف قوانين البلاد و التعالیم الدينية.